1 ـ قال الإمام الشافعي رحمه الله (204هـ):
( لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها
ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر
وأمَّا قبل قيام الحجة فإنَّه يُعذرُ بالجهل
لأنَّ علم ذلك لا يُدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر
فنُثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: ( ليس كمثله شيء )
فتح الباري (13/407)
2 ـ وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله (543هـ):
( فالجاهل والمخطئ من هذه الأمَّة
ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً
فإنَّه يُعذر بالجهل والخطأ
حتى تتبيَّن له الحجَّة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً، ما يلتبس على مثله
وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام
مِمَّا أجمعوا عليه إجماعاً جليًّا قطعيًّا يعرفه كلٌّ من المسلمين من غير نظر وتأمُّل )
محاسن التأويل للقاسمي (5/1307 ـ 1308)
3 ـ وقال ابن قدامة رحمه الله (620هـ):
( وكذلك كلُّ جاهل بشيء يُمكن أن يجهله، لا يُحكم بكفره
حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة
ويستحله بعد ذلك )
المغني (12/277)
4 ـ وقال النووي رحمه الله (676هـ):
( وكذلك الأمر في كلِّ من أنكر شيئاً مِمَّا أجمعت الأمة عليه من أمور الدِّين
إذا كان علمه منتشراً
كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة
وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام
إلاَّ أن يكون رجلاً حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده
فإذا أنكر شيئاً منها جهلاً به لم يكفر )
شرح صحيح مسلم (1/205)
5 ـ وقال ابن تيمية رحمه الله (728هـ)
في مجموع الفتاوى (12/523 ـ 524):
( من كان مؤمناً بالله ورسوله مطلقاً ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب
فإنَّه لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجَّة التي من خالفها كفر
إذ كثير من الناس يخطئ فيما يتأوله من القرآن
ويجهل كثيراَ مِمَّا يرد من معاني الكتاب والسنة
والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمَّة
والكفر لا يكون إلاَّ بعد البيان ) ...
6 ـ وقال ابن القيم رحمه الله (751هـ)
في طريق الهجرتين (ص:546):
( إنَّ العذاب يُستحقُّ بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها
فالأول كفر إعراض
والثاني كفر عناد
وأمَّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها
فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل )
7 ـ وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1206هـ):
( وأمَّا الكذب والبهتان، فمثل قولهم:
إنَّا نكفِّر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه
وإنَّا نكفِّر مَن لم يكفر ومن لم يُقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه
فكلُّ هذا من الكذب والبهتان الذي يصدُّون به الناس عن دين الله ورسوله
وإذا كنَّا لا نكفِّر مَن عبَد الصنمَ الذي على عبد القادر
والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما
لأجل جهلهم وعدم مَن يُنبِّههم
فكيف نكفِّر من لم يشرك بالله إذا لم يُهاجر إلينا، أو لم يكفر ويُقاتل
سبحانك هذا بهتان عظيم )
الدرر السنية (1/66)
وقد ذكرت
–الكلام لفضيلة الشيخ صالح الفوزان –
في أثناء شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ، للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
كلامًا يتعلق بهذا الموضوع أنقله هنا :
[ وقوله : ومعنى "التحيات":
جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً ...
فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله
ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى
فالصلاة لله
والركوع والسجود لله
والاستغاثة بالله
والدعاء لله
والتوكل على الله
والاستعاذة بالله
وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله عزّ وجلّ:
{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}
ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله ، فهو مشرك كافر
وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق ، وعلى من بلغته الحجة
وأما الشخص المعين
فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل
فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة
وهذا أحد قولين في المسألة
ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله في جواب سؤال عن بعض أهل البدع
جاء فيه: " ... فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه...
هذا الدعاء كفر وشرك بالله عزّ وجلّ
لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه
أم ينتظر حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له،
على قولين:
أحدهما: أن من قال هذا يكون كافراً كفراً أكبر لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته
والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم
فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم...
وفي كل حال
فالفعل نفسه كفر شرك أكبر
لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله
قد يكون من أهل الفترة لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله عزّ وجلّ
لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء" انتهى
نقلاً من كتاب "سعة رحمة رب العالمين للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين" لسيد بن سعد الدين الغباشي
والقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير
قرّره كثيرون من العلماء، منهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية
وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الاستغاثة (2/731):
"فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات
لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم
لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها
كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك
بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور
وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله
لكن لغلبة الجهل
وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين
لم يكن تكفيرهم بذلك
حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يخالفه ...
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : ...
" بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا
بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان
وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك"
مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/34)
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ...
في "مصباح الظلام ص: 499" :
"فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا
لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله
وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة
والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا
وشيخنا رحمه الله قد قرّر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم
ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل
حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه
وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله:
حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم
فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له"
وقال أيضاً في "مصباح الظلام ص: 516":
"وشيخنا رحمه الله لم يكفر أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه
بل يتوقف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها
وهذا صريح في كلامه في غير موضع
ورسائله في ذلك معروفة "
وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين
في الشرح الممتع (6/194) :
( لكن من كان جاهلاً ولم يكن عنده أي شبهة
ويعتقد أن ما هو عليه حق أو يقول هذا على أنه الحق
فهذا لاشك أنه لا يريد المخالفة ولم يرد المعصية والكفر
فلا يمكن أن نكفره حتى ولو كان جاهلاً في أصل من أصول الدين...
وبناء على هذا يتبين حال كثير من المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية
الذين يستغيثون بالأموات
وهم لا يعلمون أن هذا حرام ...
ولم يأت أحد ينبههم
فهؤلاء معذورون
لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء : هذا شرك
فيقول : هذا ما وجدت عليه آبائي وأجدادي
فإن حكم هذا الأخير حكم من قال الله تعالى فيهم :
( إنا وجدنا ءاباءنا على أُمة وإنا على ءاثارهم مهتدون )
ـــــــــــــــــ
كتب ورسائل العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر
المجلد الرابع ( ص : 372 – 379 )
باختصار