عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-11-2011, 04:06 AM
أبوأنس بن سلة بشير أبوأنس بن سلة بشير غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Sep 2010
المشاركات: 22
أبوأنس بن سلة بشير is on a distinguished road
افتراضي


ـ أسباب دوام نعمة الأمن وإستقراره
قال الشيخ الفاضل الكريم في ص 81 ـ 82
ونعمةُ الأمن تُقابَل بالذكر والشكر والحمد والأعمال الصالحات، لا ببناء القباب التي صارت مسرحا للبدع والشركيات، ولا بإحياء الليالي بالغناء والرقص والشهوات، قال تعالى: "فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" [البقرة:239]. وأمَر الله قريشًا بشكر نعمةِ الأمن والرخَاء بالإكثار من طاعته، فقالَ جلّ جلاله: "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ"، والمعاصي والأمنُ في نزاع قائم، فالذنوب مُزيلةٌ للنِّعم، وهي سبب حلول النقم، قال سبحانه: "ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم" [الأنفال:53]، وما نزل بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة، والطاعةُ هي حِصن الله الأعظمُ الذي من دخله كان من الآمنين.
إنّ العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله والخوف منه، يحقّق الأمن والأمان، فابن آدم امتَنع من قتلِ أخيه لخوفِه من ربِّه جل وعلا، "مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" [المائدة:28].
والعنايةُ بالعلم النافع، والتمسُّك بالكتابِ والسنة على فهم السلف شريعةً وقِيَمًا وأصولاً عصمةٌ من الفتن والإحن، وللتعليم الشرعيّ على يد أهله من العلماء والطلبة النجباء أساس في رسوخ الأمن والاطمئنان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهُ اللهُ: (فإذا انقطع عن الناسِ نور النبوة وقعوا في ظلمة الفتن، وحدثت البدع والفجور، ووقع الشر بينهم).مجموع الفتاوى 17/310
وقال ابن قيّم الجوزية رحمه الله: (وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلّة قلّ الشرّ في أهلها، وإذا خفي العلمُ هناك ظهَر الشرّ والفساد).إعلام الموقعين 2/257
وما ظهر في الجزائر الغراء من شرٍّ وبلاء، وفتن وقلاقل إلا بسبب غياب العلم الشرعي الصافي من كل شائبة
وقال في ص 86
وقد أشار الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم إلى أسباب حصول الأمن، وأمر وحَثَّ على الأخذ بها، وتحقيقها والمحافظة عليها؛ حتى تسعد البشرية في كنف الأمن والاستقرار، ورغد العيش، ومن هذه الأسباب العظيمة:
-أولا: تحقيقُ توحيدِ الله في الأرض سببٌ عظيمٌ لانتشار الأمن في ربوع الأمّة الإسلامية:
إنّ أساسَ الأمنِ والاستقرارِ الإيمانُ بالله تعالى، وتحقيقُ توحيد الربّ تعالى في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، والبُعدُ عن الوقوع في الشّرك الذي هو ظلم عظيم يكون سببا للهلاك والردى، وحبس القطر من السّماء، وإراقة الدماء، ولذلك قال الله تعالى في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حينما هدده قومُه بأنّ أصنامهم ستسلبه الأمن: "وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ" ثم بيَّن أصول الأمن وأعظم أسبابه فقال: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ"، فإنّ العبد إذا عرف ربه، وآمن به عزّ وجل، ووحّده تعالى، والتجأ إليه، وعصم نفسه من الوقوع في الشّرك بكل صوره؛ كان حريا بوقاية الله من شرور أنفاسه وحبائل أعدائه .... ثم قال في ص 89 مستشهدا بقول الإمام الهمام ابن القيم رحمه الله وهو من أجمع الكلام في بيان هذا الأصل
قال (((فالتوحيد ملجأ الطالبين، ومفزع الهاربين،ونجاة المكروبين، وغيّاث الملهوفين، وحقيقته إفراد الربّ سبحانه بالمحبة والإجلال والتعظيم، والذلِّ والخضوع)) إغاثة اللهفان 2/188
وقال في ص 93
-ثانيا: مِنْ ركائز الأمن انتشارُ العمل الصّالح في أوساط المسلمين.
لقد وعد الله تبارك وتعالى أهل الإيمان والعمل الصالح؛ أن يمكن لهم في الأرض؛ حُكما، واقتصادا، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا واستقرارا، يملئون الأرض نورا وسِلما ورُقيّا؛ وفي ذلك يقول عز وجل: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ َمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ".
قال الإمامُ ابن كثير رحمه الله في تفسير آية سورة النور السّابقة: (هذا وعدٌ من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من النّاس أمنا وحكما فيهم، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك وله الحمد والمنة).
وقال في ص 96 ـ 97
-ثالثا: ومن ركائزِ بقاءِ الأمن إكرامُ العلماء وتقديمهم للنظر في قضايا الأمة النازلة:
إنّ حاجةَ الأمةِ إلى العلماء أكثرُ من حاجتها إلى الأطباء والمهندسين، فهم زينة الحياة الدنيا، ومرجعُ الأمة في القضايا المدلهمة، والله جلّ وعلا قد رفع منزلتهم في القرآن، وأشاد بشأنهم بأوضح بيان فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، وجعلهم من أهل الشهادة على وحدانيته، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فينبغي على الأمة حُكّاما ومحكومين أن تُظهر حاجتها إلى العلماء، ورغبتها الشديدة في الاستفادة من علومهم، فإنّ ذلك أولا: يبعث على تنشيط العالم على البحث والتحقيق، والمشاركة في علاج مشاكل أمته بما استطاع.
وثانيا: يحفز أبناء الأمة إلى السعي في تحصيل المنافع والعلوم، مادامت الأمة بهذه الخاصية، من توقير للعلماء، والرفع من شأنهم، فهذا نبيّ الله موسى صلى الله عليه وسلم وهو من أولي العزم من الرُّسل يقول لنبي الله الخضر: +قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا".
قال العلاّمة السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (إظهار حاجته إلى المعلم، وأنّه يتعلم منه مشتاق إلى ما عنده، بخلاف حال أهل الكبر والجفاء؛ الذين لا يظهرون حاجتهم إلى علم المعلم، فلا أنفع للمتعلم من إظهار الحاجة إلى علم المعلم، وشُكره على تعليمه).
لقد قيل: إنّ العلمَ رحمٌ بين أهله، فإذا قوي اعتناء الأمة بالعلماء والاستفادة منهم، ورأى العلماء ذلك ظاهرا على الأمة قويت الصلة بينهما وازدادت وتوثقت أكثر وأكثر.
روى عبد الرزاق في مصنفه بسنده إلى طاووس أنه قال: (من السّنة أن يوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسّلطان، والوالد).
إن العلماء مَرجعُ الأمّة في الأحكام الشرعية، كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"، وقد أمر الله بالرجوع إليهم في الأمور المهمة والعويصة، وما يتعلق بمصالح الأمة في معاشها ودنياها، وما يستجد من النوازل الجديدة، وما يحصل لها من فتن وشرور، تهز أمنها وتضعف كيانها؛ كما قال تعالى: "وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً".
فإذا حلّ بالأمّة فتنٌ وقلاقل فأول ما تفعله بعد لجوئها إلى الله تعالى أن تسأل أهل الذكر عن الحلول الشرعية في معالجة الأزمة، وعن طبيعتها وخطورتها، ونواتجها على أمن الأمة واقتصادها، وهل لها مثيلات في التاريخ الإسلامي، وكيف تمّ علاجها؟، وهكذا...؛ وهذا الطريقُ السديدُ -وللأسف الشديد- قلّ من يتنبه له ممن بأيديهم زمام الأمر، بل يلجئون أحيانا إلى حلول مستوردة وهجينة، لا تلائم طبيعة المعضلة، ولا تتماشى وأعراف البلاد، بل وفي بعض الأحايين يُهمش العلماءُ وطلبة العلم قصدا؛ هذا إذا لم يُنكلُ بهم، ويُسامون أشد العذاب.
إنّ النماء والبركة والخير في العودة إلى أهل العلم صدقا، وسؤالهم عن المعضلات التي أحلت بالأمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عباس: (البركة مع أكابركم)
وقال في ص 103
-رابعا: من ركائز الأمن إقامة الحكم الراشد على أساس الوحي والعدل والحكمة والرحمة والعفو.
قال ابن عقيل رحمه الله: (السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصّلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحيّ) (الطرق الحكمية لابن القيم ص 12).
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (فإنّ الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات.....بل قد بيّن سبحانه بما شرّع من طرق؛ أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخرِج بها العدل والقسط فهي من دين الله، وليست مخالفة له) ( الطرق الحكمية 13).
وقد أمر الله تعالى الخلق بالتّحلي بِخُلق العدل في كتابه، فقال تعالى في سورة النساء: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا". وقال تعالى في سورة الشورى: "فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ".
وقال تعالى في سورة المائدة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". ......... فكل الرّسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة النّاس ميزانا ثابتا ترجع إليه البشرية؛ لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال، وتُقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع، وهذا الميزان هو العدل؛ وهو أساس قائم بولاية المسلمين لإصلاح دينهم ودنياهم، الذي إذا افتُقِد بين الناس خسروا خسرانا مبينا، وعاشوا حياة بهيمية، القوي يأكل الضعيف كما نراه في بعض بقاع الأرض.........
إنّ انتشار العدل في البلاد، وفشوَّه في الإدارة والمحاكم، وفي جميع شؤون الحياة، مما يورث البلاد أمنا، ويهبها استقرارا وهيبة، ويربط الرعية بحاكمها، فتقوى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتتجلى معالم الولاء بالحق للسّلطان، ويظهر الإخلاص في العمل، وتطمئن النفوس في ظل دولةٍ أساسُ حُكمِها العدلُ والحكمة، ويكون العدل مانعا من تدخل القوى الأجنبية في شؤون الأمّة بحجة حقوق الإنسان، أو نصرة الأقلية المستضعفة، وحاجزا منيعا في وجه أهل الفتن والقلاقل
إلى أن قال الشيخ ص 107 مسشهدا بكلام ابن جماعة الكناني رحمه الله في بيان هذا الأصل
بقوله (((فيجبُ على من حكّمه الله تعالى في عباده، وملّكه شيئا من بلاده، أن يجعلَ العدلَ أصل اعتماده، وقاعدة استناده، لما فيه من مصالح العباد، وعمارة البلاد، ولأنّ نعمة الله يجبُ شُكرُها، وأن يكون الشُكر على قدرها، ونعمةُ الله على السلطان فوق كلّ نعمة، فيجبُ أن يكون شُكرُه أعظمَ من كلّ شُكر، وأفضلُ ما يَشكر به السلطانُ لله تعالى: إقامةُ العدل فيما حكّمه فيه، وقد اتفقت شرائعُ الأنبياء، وآراءُ الحكماء والعقلاء؛ أنّ العدل سببٌ لِنُمُوِّ البركات، ومزيدِ الخيرات، وأنّ الظُّلم والجَور سببٌ لخراب الممالك، واقتحام المهالك، ولا شكّ عندهم في ذلك)) ( تحرير الأحكام )
وقال في ص 108 ـ 109
-خامسا: طاعةُ السُّلطان المسلم القادر، أو الرئيس بالمعروف، وتكريمُه، وحفظُ حقه، وعدم الخروج عليه؛ أصلٌ عظيمٌ في انتشار الأمن في ديار الإسلام.
لقد تضافرت الأدلة من الكتاب وصحيح السنة والآثار السلفية الغراء، وانعقد الإجماع على وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين في المعروف، وتوقيرهم وإكرامهم، وحفظ حقهم، والدعاء لهم، والصلاة خلفهم، ودفع الزكاة الظاهرة لهم، والحج والجهاد معهم، ومناصحتهم سراً، وحرمة غيبتهم، والطعن فيهم، والتشهير بعيوبهم على رؤوس المنابر وأوجه الصحف، وحرمة الخروج عليهم بالسنان أو اللسان، وحرمة الإعانة من خرج عليهم، أو التستر عليهم، أو الاستبشار بصنيعهم، فمتى حقق أبناء الأمّة هذه الأصول ظهر الأمن في ساحتهم، وتآلفت كلمتهم، وجنبوا أمتهم نزيف الفتن، وحرّ الفقر، ولهيب الجريمة المنظمة، وقطعوا دابر دعاة الإحن، والخروج باسم الدين لإقامة دول الإسلام المزعومة في دولة إسلامية قائمة منذ مئات السنين والله المستعان.
إلى أن قال حفظه الله ص 112
إنّ سلوك منهج السلف الصّالح في باب الخلافة والإمارة، والبعد عن عفن الخوارج والعقلانيين، يحقق للوطن نعمة الأمن، ويهبه تماسكا متينا، واستقرارا دائما، ويقطع دابر أهل الشرور من القطبيين والمفسدين في الأرض، والنصوص في هذا الباب كثيرة جدا، ولا يخلو منها مُصنّف من مصنفات أئمة الإسلام المتينة والأمينة، وإن غيّبها عن الناس دعاةُ الفكر المنحرف والفوضى، فسيرا على طريق أهل العلم الفضلاء أسرد ما يحضرني في باب الإمامة من آياتٍ وأحاديثَ وآثارٍ والله ولي التوفيق.
قلت ( أبوانس) : ثم أسرد الشيخ وفقه الله لكل خير وحرسه من أهل السوء جملة طيبة من الآيات القرآنية مع تفسيرها والأحاديث النبوية مع شرحها مما تطيب به النفس وينشرح له الصدر وتعيه القلوب الواعية الزكية ومما زاد هذا الأصل جمالا ورونقة وزينة إستشهاده بكلام الأئمة المعتبرين في هذا الباب لتقرير هذا الأصل الأصيل والذي هو حصن أهل الإسلام إذا انتهك ، انتهكت حرمة أهل الإسلام
ومن أمتع الكلام وأنفسه الذي نقله الشيخ في سفره المبارك كلام الإمام أبوالعباس ابن تيمية الحراني رحمه الله
قال في ص 119 ـ 121
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحِمََـهُ اللهُ-: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس [ثم قال رحمه الله]: ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجمع، والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصّلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك [ثم قال رحمه الله]: فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يُتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال) (مجموع الفتاوى 28/390ـ391).
وقال رحمه الله: (وقَلَّ مَنْ خرج على إمام ذي سلطان؛ إلا كان ما تولَّد على فعله من الشر؛ أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة، الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء، [ثم قال رحمه الله]: وغاية هؤلاء إما أن يُغْلَبُوا، وإما أن يَغْلِبُوا، ثم يزول ملكهم، فلا يكون لهم عاقبة، فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلْقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم؛ فهُزِموا وهُزِم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا، ولا أَبْقَوْا دنيا، والله تعالى لا يأمر بأمر لا يصلح به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين، ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي، وعائشة، وطلحة، والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يَحْمدُوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرًا عند الله، وأحسن نية من غيرهم، [ثم قال رحمه الله]: وكذلك أهل الحرة: كان فيهم من أهل العلم والدين خَلْق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث: كان فيهم خَلْق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كلهم، [ثم قال]: وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر:
عَوَى الذُئب فاستأنسْتُ بالذئب إذْ عَوَى*وصَـوَّت إنسـانٌ فكـدتُ أطـير.
أصابتنا فتنة؛ لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، [ثم قال]: وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكنْ عليكم بالاستكانة والتضرع؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُون﴾، [ثم قال]: وكان أفاضل المسلمين ينهوْن عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وعلي بن الحسين، وغيرهم ينهوْن عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري، ومجاهد، وغيرهما ينهوْن عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمْر أهل السنة على تَرْكِ القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاروا يَذْكُرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة وترْك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خَلْقٌ كثير من أهل العلم والدين، [إلى أن قال رحمه الله]: وهذا كله مما يُبيِّن أنّ ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصّبر على جور الأئمة، وتَرْكِ قتالهم والخروج عليهم؛ هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأنّ من خالف ذلك متعمدًا أو مخطئًا؛ لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد، ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بقوله: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"، ولم يُثْنِ على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نَزْع يدٍ من طاعة، ولا مفارقة للجماعة).منهاج السنة 4/ 527إلى 531
وقال رحمه الله تعالى: (ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السّنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة، وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته). منهاج السنة 3/391
وقال من ص 130 إلى ص 133
-سابعا: إصلاح فكر الخلق وخواطرهم بإبعادهم عن مخالطة أهل الفكر المنحرف والفاسد، وعصمتهم من بعض القنوات الفضائية، التي تبث الرفض في قالب المقاومة والصمود.(4)
لقد حرّر علماؤنا في مصنفاتهم النافعة والماتعة أن أصل الخير والشرّ، ومبدأ كلّ علم نظريّ، وعمل اختياري؛ من قبل الأفكار والخواطر، فإنّها توجب التصورات، والتصورات مبدأ الإرادة، والإرادة تقضي وقوع الفعل من حبٍّ أو بغضٍ.
وأنفع الفِكر ما كان في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار نافعة، إذا حقّقها العبد بصدق وإخلاص ولدت فيه أربعة أفكار أخرى؛ وهي: الفكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها، والفكر في مفاسد الدّنيا وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأفكار الثمانية دارت أفكار المصلحين، ودعاة البناء الحضاري بصدق، وعلماء إصلاح المجتمعات من عفن الأفكار الرديّة، والمذاهب الدنيّة، فالإنسان خيرُ المخلوقات إذا أحاط خواطره بمراقبة وليها جلّ جلاله، وتقرب من بارئه والتزم أوامره ونواهيه، وشرّ المخلوقات إذا أرخى العنان لخواطره من غير حراسة ولا هدى ولا سلطان مبين، وآثر البعد عن خالقه ومولاه، وصار حبيس شيطانه وهواه، فإن كلّ ما ينتجه يكون وبالا عليه، وعبئا ثقيلا على أمته، وغمة كاتمة لأنفاسها؛ والله المستعان.
وقد خلق اللهُ تعالى النفس شبيهة بالرّحى الدائرة التي لا تسكن، ولابد لها من شيء تطحنه، فإن وُضِع فيها حبّ؛ طحنته وأنتجت دقيقا نافعا للأمة، وإن وضع فيها تراب أو حصى؛ طحنته، وأنتجت غبارا وعثانا يعمي بصرها وبصيرتها، فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَبّ الذي يوضع في الرّحى، ولا تبقى النفس أبدا معطلة، بل؛ لابد لها من شيء يوضع فيها، فمِن الناس من تطحن رحاه حبّا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وأمته ووطنه، ومادة هذه الرحى كتاب الله تعالى وتفسير السّلف له، كتفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير السمعاني، والبغوي، وابن أبي زمنين المالكي، والسعدي، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كصحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم، وموطأ الإمام مالك، والسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، وباقي المعاجم، والمستدركات، والأجزاء الحديثية، وكتب أئمة الإسلام؛ كالشريعة للآجري، والإبانة لابن بطة، وذمّ الكلام للهروي، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم هبة الله اللالكائي، والسنة للخلال، وشرح السنة للبربهاري، وغيرها من مصنفات أئمة الإسلام المتينة والأمينة، أضف إلى ذلك باقي العلوم الكونية النافعة من رياضيات وفيزياء وطبّ، فإذا تغذت الخواطر وطحنت النفس هذه المواد، ظهر نفعها على الجوارح، من توحيد خالص لله تعالى، وانقياد واضح لرسول لله صلى الله عليه وسلم ، وبناء متين للأمة، وطاعة بالمعروف لولاة أمور المسلمين، ووقاية محكمة ورزينة من الفتن وعوامل هلاك الأمة، وأما إذا وُضِع في الرحى تبن ورمل وحمم؛ فإنّ النتيجة معروفة للعيان، وبيان ذلك؛ إذا وُضع في الرحى كتب أهل الفكر المنحرف، ومادة الفرق الضالة كالخوارج، والمعتزلة، والرافضة، والمرجئة، والفلاسفة الأشرار، وكتب السحر والشعوذة، والخلاعة والمجون، وما تسرب عنهم من شرّ فإن العاقبةَ: شركٌ بالله وضلالٌ، وخروجٌ على ولاة أمور المسلمين بالسيف والسنان، وفتن وقتل للأنفس، وتعطيل لأسماء الله وصفاته، وسبّ لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإخراجٌ للأعمال من مسمى الإيمان، وتعطيل لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحياءٌ للجريمة المنظمة، وتمكينٌ لدعاة الشرّ من ترويج المخدرات، وانتشارٌ لبيوت الدعارة التي تبث الأمراض الفتّاكة في كبد الأمة، فهذا هو عجين ما تطحنه النفس التي وضعت فيها مواد أهل الباطل.
فإياكم يا أبناء الأمة رعاكم الله من كل شرّ أن تمكنوا الشيطان وأعوانه من الإنس من بيت أفكاركم وإراداتكم، فإنهم يفسدونها عليكم فسادا يصعب تداركه، ويلقون إليكم أنواع الوساوس والهواجس والأفكار المضرة، ويحولون بينكم وبين الفكر فيما ينفعكم في دينكم ودنياكم.
-ثامنا: المحافظة على العهود والمواثيق، وإعطاء المستأمنين حقّهم من الآمان في الأنفس والأموال والأعراض، وتحريم الغدر بكل صُوَّره، والكفّ عن قتل الرُّسُل؛ وهم سفراءُ الدول الكافرة، والقائمون بأعمال دولهم في ديار المسلمين:
إنّ محافظةَ المسلمين على العهود المبرمة بينهم وبين غيرهم من الملل الكافرة يضمن لهم الاستقرار والآمان، ويجنبهم الحروب والفتن، ويسهل لهم تنمية اقتصادهم، ونشر دينهم إذا نزلوا بساحة الكفار، وقد أمرالمولى جلّ وعز في غير ما آية بالوفاء بالعهود، وإتمام البنود إلى آجالها، وزادت السنةُ النبوية الأمر تأكيدا ووضوحا، لا يترك مجالا للمقامرين بمصير الأمة العبث بأمنها، وهزّ سمعتها.
إنّ الذي يقع في بعض الدُّول الإسلامية، من اعتداء على المستأمنين بالخطف والقتل والاغتيال، بأيادي بعض الجماعات ممن تسمي نفسها إسلامية، تحت دوافع متنوعة، وأهداف عِدّة أملاها عليهم الهوى والجهل بالشريعة، جرّ على المسلمين الضيم والضيق، وخفر ذمّة ولاة أمور المسلمين وباقي أبناء الأمة، وفتح سُبلا لدول الكفر العاتية للتدخل في شؤون الأمة، والتضييق عليها بحجة محاربة الإرهاب، مما آل ببعض الدول الكافرة إلى التعامل مع البشرة السمراء في إقليمها بأساليب عجيبة للغاية، جعلت أصحاب البشرة السمراء محل ريبة وفي قفص الاتهام، وقد يُغلق مطار بكامله إذا رأى الكفار مسلما يصلي أو يحرك لسانه ببعض الآيات.
أفسد الناسَ خلوفٌ خلفوا---- قطعوا الإلّ وأعراق الرحم.
لقد عجبت لدعاة الجهاد بأصول الخوارج وقواعد المعتزلة؛ كيف يَطمَعون في تحقيق النّصر، وقهر أهل الكفر، وهم يخالفون نصوص الكتاب والسنة، ويتنكبون منهج السلف في التعامل مع المعاهدين والمستأمنين، رافعين لواء الغدر باسم الاغتيال المشروع، وإحياء السنن المهجورة، ومقتفين سبيل المجرمين من اليهود النصارى في تحقيق مآربهم الباطلة، تحت القاعدة الكافرة الغاية تبرر الوسيلة ............. إلى أن قال سدده الله في ص 135
وقد جاءت نصوصٌ كثيرة وواضحة في السّنة المطهرة تأمر بالوفاء بالعهد، وتنهى وتزجر عن الغدر، ولو كان المقتولُ كافرا بيِّن الكفر، وتحذر المغرر بهم من مغبة نقض العهود والمواثيق، وأنها تؤول إلى نشوب القتل والحروب بين المسلمين وأعدائهم، مما يعود على الدول الإسلامية الضعيفة بالضرر والخسارة
ـ وقد اتحفنا شيخنا الفاضل المفضال في سفره السني الأثري هذا بمسائل مهمة مع ضبطه لها بحدها الشرعي لا يستغني عنها طالب العلم فضلا من كان قدوة في مجتمعه موجها ومعلما ومربيا فيهم ويستفيد منها المنتهي المجتهد لله دره فهو فقيه باهر وخريت ماهر في الفتن العصرية ومؤلفاته تدل على ذلك
ومن هذه المسائل ذكر
أولاً: تعريف الأمان وممن يصح، ودليله من الكتاب والسنة
قال في ص 135وص 137 ناقلا كلام الإمام الفقيه المحقق المدقق محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
قال العلاّمة الفقيه محمدُ بن صالح العثيمين رحمه الله: (الأمان: عبارة عن تأمين الكافر مُدَّة محدودة، أي يُؤَمَّن حتى يبيع تجارته، أو حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، أو حتى يسمع كلام الله ويرجع، وهذا التأمين ليس عقدا بل أمان فقط، ولهذا صحّ من كل إنسان حتى من امرأة، ومن قن، لكن لابد أن يكون المؤمِّن مسلما، فلو فرضنا إن في البلد طوائف متعددة؛ نصارى ومشركين، لكنهم باقون في عهد المسلمين، فهؤلاء لا يصح منهم أن يؤمنوا كافرا يدخل بلاد المسلمين، لأنهم لا يُؤْمَنُون، فقد يكون بينهم وبين هذا طالب للأمان اتفاق فيُؤَمِنُونه حتى يأتي ليأخذ أسرار المسلمين وأحوالهم) الشرح الممتع 8/48
وقال رحمه الله في شرح رياض الصالحين (4/464)، عند شرحه لحديث: "ذمة المسلمين واحدة"، (يعني: عهدهم واحد، إذا عاهد أحد من المسلمين ممن لهم ولايات العهد، ثم خفر ذمته أحدٌ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فمثلا: إذا دخل كافر إلى البلد في أمان وعهد ممن لهم ولاية العهد، أو غيرهم ممن له الأمان، ثم خفره أحد؛ استحق اللعنة من الله والملائكة والناس أجمعين، لو أن كافرًا دخل بأمان، وآواه رجل مؤمن، وقال له: ادخل أنت في جواري، ثم جاء إنسان وقتل هذا الكافر -رغم أمانه من المسلم- فعلى القاتل لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، نسأل الله العافية، كيف إذا دخل بأمان من ولي الأمر؟ على أنه مؤتمن، وفي جوار وأمان الدولة، ثم يأتي إنسان فيقتله! هذا عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ وفي هذا دليل على حماية الدين الإسلامي لمن دخل بأمانه وجواره، وأن الدين الإسلامي لا يعرف الغدر والاغتيال، والجرائم، إنّه دين صريح.
وبهذا نعرف غلط من يغدرون بالذمم، ويخونون، ويغتالون أناسًا لهم عهد وأمان، وأن هؤلاء مستحقون لما أعلنه أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والعياذ بالله.
نعم، الحربي الذي يدخل بدون أمان، لم يعطه أحد من المسلمين الأمان، ويدخل مُسْتَخْفِيًا ليكون جاسوسًا للعدو، أو مفسدًا في الأرض؛ هذا يُقْتَل.
أما إنسان دخل بأمان من الدولة، أو أمان من أي طرف من المسلمين، فهذا لا يقتل، فهو نفس محترمة معصومة، مَنْ غَدَرَ بها؛ فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين.
وبهذا نعرف خطأ ما نسمعه في بعض البلاد من الاعتداء على الآمنين الذين لهم عهد من الدولة، تجدهم آمنين بذلك، ثم يأتي إنسان باسم الإسلام، فيغتالهم؟ لا، فالإسلام لا يعرف الغدر، يقول الله- عز وجل - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ويقول عز وجل: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ العهد شيء عظيم، والغدر به فظيع والعياذ بالله، ليس من الإسلام في شيء، لكن بعض الجهال يظنون أن يخفوا غيرتهم بما لا يطابق الكتاب والسنة، وهذا خطأ، المؤمن مُقَيَّدٌ بما جاء به الشرع، وليس الإيمان بالهوى ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾)اهـ.
قال الشيخ أبوعبد الباري في الهامش تعليقا :كلام عظيم من عالم من علماء المسلمين رحمه الله.
-ثانيا: تعريف الهدنة ودليلها من الكتاب والسنّة.
قال في ص 144 : الهدنة في اللغة الدّعة والسكون، وتسمى مهادنة، ومواعدة، ومعاهدة، ومسالمة.
وهي عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة أو مطلقة، ولو طالت بقدر الحاجة، حيث جاز تأخير الجهاد لضعف المسلمين.
ولا يعقدها إلا الإمام الذي بيده العقد، أو نائبه، لأنّها تتعلق بنظرهما واجتهادهما، وليس غيرهما مَحَلا لذلك، لعدم ولايته، وصلاحيته لترك القتال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ويجوز عقدها مطلقا ومؤقتا، والمؤقت لازم من الطرفين، يجب الوفاء به، ما لم ينقضه العدو، ولا ينقض بمجرد خوف الخيانة في أظهر قولي العلماء، وأما المطلق فهو عقد جائز يعمل الإمام فيه بالمصلحة)(الاختيارات الفقهية ص 262).
وقال العلاّمة محمدُ بن صالح العثيمين رحمه الله: (وليعلم أن العهد الذي بيننا وبين الكُفّار له ثلاث حالات كلّها في القرآن:
الحالة الأولى: أن ينقضوا العهد هم بأنفسهم، فإذا نقضوا العهد انتقض العهد الذي بيننا وبينهم، ومثاله: قصة قريش؛ لأن قريشا نقضوا العهد حين ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ ينتقض العهد، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾.
الحالة الثانية: أن يستقيموا لنا ولا نخاف منهم خيانة، ولم تر منهم خيانة، فحينئذ يجب علينا أن نستقيم لهم كما قال تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
الحالة الثالثة: أن نخاف منهم نقض العهد، فهنا لا يلزمنا أن نبقى على العهد، ولا يجوز لنا أن نقاتلهم، بل ننبذ إليهم على سواء، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾، أي انبذ العهد على سواء؛ لتكون أنت وإياهم على سواء في أنّه لا عهد بينكم، وهذا هو الإنصاف، لأنّ الدين الإسلامي أقومُ الأديان وأعدلُـها، فما استقاموا لنا فإننا نستقيم لهم، وإن نقضوا عهدنا فلا عهد لهم، وإن خفنا منهم ننبذ إليهم على سواء، فنقول: لا عهد بيننا وبينكم، ولا نأتيهم على غرة ونباغتهم؛ لأن الأصلَ قيامُ العهد) الشرح الممتع 8/ 54ـ 55
قلت (أبوأنس) : ثم ذكر الشيخ وفقه الله أدلة الوفاء بالعهد والهدنة من الكتاب والسنة مستصحبا ذلك فهم الأئمة لهذه المسألة وقد نبه في جرئه هذا على أمور منها
1ـ أن الاعتداء على سفراء الدول الكافرة في الديار الإسلامية نقض للعهد، واعتداء وظلم، مادامت القنصليات والسفارات وضعت رحالها في الدِّيار الإسلامية بإذن من الحاكم المسلم
وقال في ص 156 : إنّ الأعمال التي يقوم بها من يمنُّون البشرية بحياة الملائكة، وعالمَ خال من المعاصي والكفر؛ -وهو أمر يناقض قدر الله الكوني- من خطف للسياح في ديار الإسلام، وهجوم على مواقع القنصليات والسفارات، وتعرض للعمال الأجانب من أمريكان أو غيرهم بحجة هزّ كيان العدوّ في عقر داره، أو نصرة المجاهدين في بقعة أخرى من الأرض، أو إحراج وإرباك الدولة التي يسعون لإسقاطها بأي وسيلة كانت؛ مناقضٌ تماما لروح الشريعة ونصوصها النيّرة، بعيدٌ كلّ البعد عن هدي السلف في باب الجهاد والسياسة الشرعية، يدل بوضوح عن ضحالة عقول القوم، وأنهم لا يملكون بين أيديهم مشروعا متكاملا يسوسون به البشرية، بل يدلّ صنيعهم عن سفول القوم إلى براثين الجريمة، والانضمام إلى منضمات المافيا العالمية بلباس إسلامي ليواروا به سوأتهم، ومن درس حالة القوم النفسية اكتشف أنهم يعيشون حياة بهيمية في صورة إنس، والله تعالى يتولى الصالحين من عباده
2 ـ أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلا أنّي خرجت أنا وأبي حُسَيل، قال: فأَخَذَنا كُفَّارُ قريشٍ، قالوا: إنكم تريدون محمدا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريدُ إلاّ المدينة، فأخذوا منّا عهدَ الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: (انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم)
قال النووي في شرحه: (وأما قضية حذيفة وأبيه، فإنّ الكُفَّار استحلفوهما لا يقاتلان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة بدر، فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء، وهذا ليس للإيجاب، فإنّه لا يجب الوفاء بترك الجهاد مع الإمام ونائبه، ولكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشيع عن أصحابه نقض العهد، وإن كان لا يلزم ذلك، لأن المشيع لا يذكر تأويلا).
قلت وبالله التوفيق: لقد رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة وأبيه ترك شهود غزوة بدر الكبرى معه إعظاما منه صلى الله عليه وسلم لقيمة العهد، ومنزلة الوفاء به، في موقف الحق فيه أبلج والباطل فيه لجلج، فماذا نقول عن أقوام نقضوا عهودا أبرمها ولاة أمورهم مع الكفار بحجج هي أوهن من بيت العنكبوت، ونحروا المستأمنين في ديار المسلمين، وخفروا ذمة المسلمين بالتأويلات الباطلة؟!.
لقد أعطى دعاةُ الفتنِ الكفّارَ دفعةً قويةً لِوَسْمِ المسلمين بمعرة نقض العهود والاعتداء على الآمنين، وهذا ما كان يتخوف منه النبي صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى ذلك النووي رحمه الله.
3 ـ متى أخلَّ المسلمون بالعهود والمواثيق سلَّط الله عليهم أعداءَهم، وتحولت ديارُهم إلى بؤر للقتل والفتن، وهو عامل من عوامل هلاك هذه الأمة، فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي العلاء قال: لما أصيب زيد بن صوحان يوم الجمل قال: هذا الذي حدثني خليلي سلمان الفارسي: (إنما يهلك هذه الأمة نقضها عهودها).
وعن سليم بن عامر -رجل من حمير- قال: كان بين معاوية وبين الرّوم عهدٌ، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون؛ وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر! فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله؟ فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يشُدّ عُقدة ولا يحُلّها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء)، فرجع معاوية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ومعلوم أنّه نهى عن ذلك لئلا يكون فيه خديعة بالمعاهدين، وإن لم يكن في ذلك مخالفة، لما اقتضاه لفظ العهد، فعلم أنّ مخالفة ما يدل عليه العقد لفظا، أو عرفا خديعة، وأنّه حرام)(بيان الدليل على بطلان التحليل ص 65).
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل مُعاهدا في غير كنهه؛ حرّم الله عليه الجنة).
قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ: كنهه: حقّـه
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسا معاهدة بغير حلها، حرّم اللهُ عليه الجَنَّة أن يجد ريحها).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معَاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل معَاهدا، له ذمّة الله، وذمّة رسوله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (...ومن خرج على أمّتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه)
ـ ذكر بعض الأسباب السالبة للأمن من المجتمعات
السبب الأول: ظُهور الشّرك والبدع والمعاصي في الأمة
قال الشيخ ص 160 ـ 161 : إنّ الذنوبَ والمعاصيَ والبدعَ، وعلى رأسها الشّرك وهو أظلم الظلم، وأكبر الكبائر على الإطلاق، سببُ الفسادِ في الأرض، وحقيقة الشرك؛ التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، فالمشرك بالله مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل عليه وحده، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعا وضرا ولا موتا وحياة ولا نشورا شبيها لمن له الخلق والأمر كلّه، فلا صلاح للموجودات إلا بأن تكون أنفاسُها وحركاتها وإراداتها ومحبتها لفاطرها وبارئها وحده لا شريك له، لهذا قال الله تعالى: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ" [الأنبياء 22].
إنّ الفساد الذي حلّ بنظام العالم، والفتن التي ظهرت في ساحة الأمة، والقتل والقلاقل التي أقضّت مضاجع البشرية؛ كل هذا العفن سببه انتشار الشرك في الكرة الأرضية؛ حتى صارت له صورة قانونية في بعض الدول الإسلامية كما هو مشهود ومعروف.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ: (فكلُّ فساد ونقص في العلوم، والأعمال، والعقول، والسياسة، والمعايش، وغير ذلك، فسببه المعاصي) الدررالسنية 14/438
قال تعالى "وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ" [الأعراف56].
قال العلاّمة ابن قيّم الجوزية رحمه الله في تفسير هذه الآية: (قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاءِ إلى طاعة الله، فإنّ عبادةَ غير الله والدعوةَ إلى غيره والشركَ به؛ هو أعظمُ فسادٍ في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك به، ومخالفة أمره، قال تعالى: +ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ"، وقال عطية في الآية: ولا تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم، وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فإنّ الدّواب تَلعن عُصاة بني آدم، وتقول: اللهم العنهم، فبسببهم أجدبت الأرض، وقحط المطر.
وبالجملة فالشركُ والدعوةُ إلى غير الله، وإقامةُ معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلاّ بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرّسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإنّ الله أصلح الأرض برسله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله، ومن تدبّر أحوال العالم وجد كُلّ صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسلط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله..) بدائع التفسير 2/234
السبب الثاني: انتشارُ فكر الخوارج في الأمة لعوامل شتى منها: ظهور دعاة الضلالة الذين استغلوا وضع الأمة المؤلم وبـثّوا من ثقبه سمومَهم
قال الشيخ البارع النحرير في ص 164ـ 168 مبينا السبب انتشار فكر الخوارج في الأمة والسرطان الفتاك لها
إن العالمَ الحديث يعاني من موجات الإرهاب المنظم، والمسند من جهات غربية صليبية؛ إرهابٌ أعمى يقذف بالبشرية في أتون المصائب والشدّة، ويستنزف اقتصاد الدّول الصاعدة كالجزائر، والمملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر، فلا يكاد يمر يوم دون أن تُسجل فيه عمليةٌ إرهابيةٌ يتردد صداها عبر أجهزة الإعلام المختلفة، حتى أصبح للعمليات الإرهابية أثرٌ بالغ في توجيه دفة كثير من الدول، وصار لدعاة الإرهاب ومن يمدهم من وراء البحر سلطةٌ في تغيير موازين الاقتصاد، وإحداث تغيرات جوهرية في أنظمة بعض الدول المستهدفة، وقد استغل دعاة الضلالة ممن تغذى من عقائد الفرق الضالة عبر التاريخ الإسلامي؛ كالخوارج والرافضة وضعَ الأمةِ المؤلم، وكوّنوا أحزابا وجماعاتٍ لمناهضة دولهم المسلمة باسم الإسلام، واسترجاع الخلافة الضائعة:
فوظفوا غربة الإسلام في ديار بعض المسلمين، واستغلوا الأسلوب الخاطئ من بعض الأنظمة الإسلامية؛ من تعذيبٍ، وسجنٍ، وقتلٍ، وتشريدٍ، واعتقال عشوائي في علاج اعوجاج الفرق المنحرفة.
وأوقفوا الناس عبر خطبهم النارية، وأشرطتهم الملتهبة، على تضييق الأنظمة الإسلامية على علماء الأمة وطلابها، وفي الوقت نفسه بينوا لهم أن المجال قد فُتح للاتجاه العلماني، وأن العنان قد أُطلق لهم في شتى مؤسسات الأمة؛ من جامعاتٍ، ومراكز ثقافية، وأنظمة شبابية، ومعلوم أن وضعا كهذا يدفع بكثير من الشباب المتحمس، والجاهل بمنهج السّلف الصّالح في التعامل مع جور السلطان إلى العنف والسرية في مواجهة الخطر الذي تصوَّرُوه، أو الذي أُوقفوا عليه.
أضف إلى ما ذكرت الانهيار الاقتصادي الذي تشهده بعض الدول الإسلامية، والظلم في توزيع ثروات الأمة، والبطالة التي خيم شبحُها على كثير من البيوت، وظهورَ الطبقية، والتمييز بين أفراد الأمة في المعاملة، فالشاب الملتحي يرى نفسه منبوذا بالأبواب، لا يسمح له باستخراج جواز سفر بصورة تظهر فيها لحيته، والمرأة المتحجبة تجد نفسها تتنفس من ثقب إبرة، وفي المقابل يرون شبابا واضعين القراط والشُّنوف في آذانهم، ويرتدون ألبسة الهنود الحمر، ونساء تسعون بالمائة من أجسادهن عارٍ، يُقدَّمون ويبجَّلون ويوصفون برواد الحضارة والتقدم. إنّ العوامل كالتي ذكرت، وأخرى لم أذكرها قد استغلها رؤوس الضلال من دعاة الخروج والعصيان المدني، وهيّجوا بها أبناء الأمة العاطفيين على حكّامهم، ودفعوهم إلى الانتقام واسترجاع الحقوق الضائعة، وغرّروا بهم، وأشعروهم أنهم من المجاهدين، وأنهم ظاهرون على الطواغيت وأعوانهم لا محالة، وحتى يُعطيَ رؤوسُ الضّلال للمغرر بهم حُجَجَ القتل والبتر وخلع الرؤوس، أفهموهم أن القائمين على النّظام في الدّول الإسلامية كفارٌ مرتدون، وخارجون عن الشريعة الربانية وعن كلّ قانون!، وأنهم عملاء لدولة صهيون، وأنّ كل من ساعدهم أو كان منضويا في سلكهم فهو منهم، ودواؤه القتل والإبادة بكل بسالة وضراوة، والله المستعان، ولقّنُوا الشّباب المتحمس أنّ عليهم واجبا لا بد أن يقوموا به وفاء لعقيدتهم، وهو إقامة دولة الإسلام التي طمس معالمها مصطفى أتاتورك، وفي الوقت نفسه يحسّسونهم أنهم ممنوعون من إظهار هذا الواجب، فيُوقِعُون الشبابَ في صراع دائم، وتمزق قائم، بين دافع العقيدة، ومانع الواقع، وحينها يشعرُ الشّبابُ المغرر بهم أنهم عاجزون عن تلبية نداء العقيدة، وأنهم في دوامة ضغطٍ ما تفتأ تُفقدهم صوابهم، صرخوا صرخةً أخرجتهم عن صفتهم البشرية، وصيَّرت حالهم إلى وحوش ضارية؛ حالة آلت بهم إلى انفصام بين الإرادة والعلم والواقع، وآنذاك أضحى أبناء الأمة مسلوبي التفكير، وعجينة في أيدي دعاة الدمار والشُّبه وشراء الذمم، يقذفونهم شمالا ويمينا، ويتلاعبون بمصيرهم على الصورة التي تحلوا لهم، وحتى يُفضي زعماء الخروج والتمرد على أفكارهم الصبغة الشرعية، يُهرعون إلى الاستدلال بالمتشابه من النّصوص الشّرعية من قرآن وسنة، وإسقاط آيات نزلت في الكفار على المؤمنين كاستدلالهم بقوله تعالى: "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ"، وقوله تعالى: "وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ"، وغيرها من آي القرآن الكريم، وكاستدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم لأهل مكة (بعثت بالسيف، وحرف يده)، والاستئناس بفتاوى المرضى نفسيا والمشكوك في عدالتهم، ممن يقيم بديار الصلبان، وبسط هذا الأمر يأتي في كتابي «الإذاعة» يسر الله المنان صدوره.
قلت (أبوأنس): قد ضمن الشيخ وحوى تحت هذا السبب من مسائل مهمة كعادته لم أعطى من النفس وسعت الإطلاع والفهم الثاقب والذكاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
فقد ذكر تعريف الخوارج وبين أبرز علاماتهم فحري وجدير بأن يرجع إلى أصل الكتاب ويطلع عليه لم فيه من بيان حال الخوارج المارقة من ص 169 إلى ص 183
السبب الثالث: ظهور الطائفية والحزبية الضيقة في المجتمعات الإسلامية
قال الشيخ في ص 184 ـ 185 عند الهامش : إنّ خطر الطائفية الشمطاء على أمنِ الأمة واقتصادها لا يختلف في شره اثنان، وخاصة إذا كان مكسوا بلباس السياسة العرجاء، ومدفوعا من جهات مستثمرة في باب الهيمنة الأيديولوجية، والسيطرة على الأقاليم، والتوسع الأخطبوطي، ومنطويا على نية الانفصال وتفكيك الوطن إلى كنتونات وأقاليم، وما يراه المسلم ويسمعه من حوادث رهيبة تقع في العراق الشقيق بسبب العنف الطائفي، والقتل على الهوية، وما وقع في يوغسلافيا ولبنان سابقا، يجعله يعد مشروعا وقائيا محكم البنيان يعصم من خطر الطائفية النائمة في بعض المجتمعات الإسلامية، والتي أصبحت ورقة رابحة في أيدي بعض الدول الكافرة، وأحيانا في أيدي بعض الدول الإسلامية حين يأتيها شيطانها لبذر سموم الفتن في ربوع الدولة المجاورة من أجل بعض المكاسب الفانية والله المستعان.
والطائفية تتغذى من الدافع العقدي الفاسد، كما هو الشأن عند الروافض الصفويين الأنجاس، أو من الدافع الأيديولوجي كما صنع الشيوعيون بقيادة ستالين وأعوانه في الأقاليم التي استولوا عليها، وأحيانا من الجنس البشري ذاته، من عرب أو عجم، أو لسان، ولهذا جاء الإسلام إلى البشرية كلها وأذاب الطائفية في قالب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
قال الإمام ابن كثير في تفسير آية الحجرات: (قيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، ثم قال رحمه الله: فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم)اهـ.
وذابت في قوله صلى الله عليه وسلم (إنّ الله تعالى قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالأباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنوا آدم، وآدم من تراب، ليدعنّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجِعلان التي تدفع النتن بأنفها) إسناده حسن، أخرجه الإمام أبو داود والترمذي وغيرهما.
وما جاء في حديث أبي هريرة مرفوعا: (من بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه).
وأخرج الإمام أحمد بإسناده حسن من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنوا آدم، طفّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين والتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا بخيلا فاحشا).
وأخرج الإمام أبو داود في كتاب الأدب عن عبد الله بن مسعود قال: (من نصر قوما على غير الحق، فهو كالبعير الذي رُدّي، فهو ينزع بذنبه)، والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصى.
فإذا أدركت البشريةُ أن ميزان التفاضل هو الدين السليم والعمل الصالح نبذت نعرة الطائفة وطرحتها أرضا، ومن غاب عنه عامل الرفعة أو جهله اجتهد أهل العلم في إيصاله إليه وإيقافه عليه، فإذا تحقق هذا الأمر عاش الناس في أنس ووئام، وفي جوّ من الاحترام والتكامل.
وكما قلت سابقا: فإن بعض الدول الغربية تحت ستار بعض المنظّّمات الإغاثية تسعى إلى تقوية الطائفية في الأقاليم الإسلامية انطلاقا من اللسان، كما هو شأن منظمة اللجنة الدولية للإنقاذ الأمريكية حيث أطلقت في احتفال رسمي من شهر أكتوبر سنة 2004 مشروع كتابة لهجة (البداويت) التي يعود تاريخ ظهورها إلى أربعة آلاف سنة، بإصدار خمسة كتب بهذه اللهجة، وإعلان بدء تعليمها في (19) مدرسة في شرق السودان، وذلك تمهيدا لمحاولات الانفصال عن الدولة الأم السودان، وقد اعتمد زعماء التمرد المسلح في شرق السودان لهجة (البداويت) التي يتحدث بها أكثر من مليوني شخص كلغة رسمية، وشَرَعوا في تعليمها في المناطق التي يسيطرون عليها تمهيدا لعملية الانفصال عن الوطن.
وهذه الخطط المكشوفة يسعى الغرب لبسطها على بعض دول شمال إفريقيا، والله العاصم من كيد الأعداء، ولعل موضع كشف هذه الحقائق يأتي في جزء خاص.
قلت (أبوأنس ) : وقد اتحفنا شيخنا حفظه الله ومتعنا في سفره المبارك الأنيق هذا وما بخل علينا كعادته بتعريفه للحزبية مع ذكره لمضارها العفنة ذات الولاء الضيق فليتفضل القراء الكرام بقراءة أصل الكتاب ومرجعته ليستفدوا ويتم نفعهم من ص 184 إلى ص 200
ـ وأيضا أدعوا القراء الأعزاء أصحاب الهمم العالية والنفوس الزكية أهل الإصلاح والإجتماع أن يطلعوا على بقية الكتاب ويفقهوا ما فيه من فقه الصلح فقد أجاد وأفاد الشيخ حفظه الله في بيان ما فيه من العلم فهو غزيز في بابه فلا تحرموا أنفسكم من العلم والخير وهو أهم ما في هذا الكتاب العظيم كيف لا ، وأن إصلاح ذات البين من قواعد الإسلام الرئسية ودعائمه المهمة في بناء المجتمع والتأليف بين أفراده وحمايته من العدو الخارجي والنصوص في هذا الأمر أكثر من أن تحصر ، وإنما الذي منعني من نقله في سفر هذا ألا وهو ما عزمت عليه من إعتصار الكتاب ما استطعت إليه سبيلا من إقتناص فوائده فرائده وإلا فالكتاب في الحقيقة كله فائدة ويحتاج إلى القراءة والاطلاع فيه مرارا وتكرارا جزى الله خيرا مؤلفه وعظم أجره
فقد ذكر في هذا الجزء أبواب
1ـ باب فضل الصلح في كتاب الله تعالى
2ـ باب فضل الصلح في سنة النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم
3ـ باب صور من صلح النبي صلى الله عليه وسلم
4ـ باب حرص الصحابة رضوان الله عليهم على الصلح
5ـ باب صلح الحديبية وما نجم عنه من فتح وخير وما حوى من فوائد جليلة
6ـ ذكر حفظه الله بعض فوائد صلح الحديبية التي تخص موضوع الكتاب
7 ـ باب : الصلح بين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليهم جميعا وما جاء فيه من عضات وفوائد
8ـ باب تعريف الصلح
ونذكره لأهميته :
قال الشيخ في ص 248 ـ 249
الصُّلح: اسم مصدر، صالحه يُصالحه صلحا ومصالحة وصِلاحا بكسر الصاد، وقد اصطلح وتصالحا واصّالحا، مشددة الصاد، واصطلح، والصّلح يذكر ويؤنث كما قال الجوهري، وصَلُح الشيء إذا كمُل وحسُن، وهو خلاف الفساد.
والصُّلح معناه: قطع المنازعة، والدعوة إلى السّلم.
وقال علي بن مجد الدين البسطامي الشهير بمَصنفَك (م: 875): (والصّلح: اسم من المصالحة، وهي المسالمة بعد المحاربة، وأصله من الصّلاح؛ وهو استقامة الحال)( الحدود والأحكام الفقهية (ص:89).).
وأما حقيقته الشرعية: فهو معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
وقال ابن عرفة: (انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه)( شرح حدود ابن عرفة (ص314).).
وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ويكون في الأموال والقصاص وغيرها، وهو من أكبر العقود فائدة، ولذلك جاز فيه الكذب.
قال الشيخ عبد الله البسام (م1423هـ) في نيل المآرب: (الصّلح من أعمّ الأمور وأوسعها، فدائرته واسعة، وفوائده كثيرة، وفضائله كبيرة، ولذا فإنّ الله تعالى قال عنه: "والصّلح خير" [النساء128]، فهو يقع في أمور هامّة منها:
1-يكون بين المسلمين، وبين الكفار المحاربين، فيحصل به راحة المسلمين وإجمامهم، واجتماعهم لقتال عدوهم في الفرصة المناسبة.
2-يكون بين أهل العدل، وبين أهل الظلم والبغي، فيُكف به شرّ كبيرٌ، وقد يحصل به خير كثير.
-يكون بين الناس في الدماء والشِّجاج والجروح، فيحصل به العفو عن الحقوق، وإطفاء نار الفتنة(5).
4- يكون بين الأصحاب المتهاجرين المتنافرين، فتصفو القلوب، وتقرّ الأنفس، وتهدأ الأحوال، وتعود المودة والإخاء.
5-يكون بين الزوجين عند المشاقَّة والمخاصمة، فيحصل به جمع الشمل وعمارة البيوت، واجتماع الأسر وحسن العشرة.
6-يكون بين الناس في الأموال والمعاملات، حينما يقع الاختلاف والإشكال فيها، فيتحقق به الرضا، والتسامح وقطع الخصومات.
وكل صلح؛ فهو جائز بين المسلمين إلاّ صلحا أحلّ حراما، أو حرّم حلالا، فإنه مخالف لمراد الله تعالى فلا يجوز، والصلح ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهو من محاسن الشرائع الربانية التي جاءت بكل ما يحقق الخير، ويبعد الشرّ، والله ولي التوفيق)( نيل المآرب شرح عمدة الطالب ومعه الاختيارات الجلية في المسائل الخلافية للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام رحمه الله (3/199-200 ط/دار الميمان)، وينظر حاشية الروض المربع للشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي رحمه الله (5/128).).
9 ـ باب:الحقوق على الجملة ضربان، حق الله تعالى وحق العباد
10 ـ باب:الصّلح إما مردود وإما جائز نافذ وأساسه العلم والعدل.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في الإعلام: (والصّلح الذي يُحل الحرامَ، ويحرم الحلال كالصّلح الذي يتضمن تحريم بُضعٍ حلال، أو حل[إحلال] بُضع حرام، أو إرقاق حُرٍ، أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل، أو أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك؛ فكل هذا صلح جائر مردود.
فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه، ورضى الخصمين؛ فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم بأفضل من درجة الصائم القائم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين؛ فإفساد ذات البين هي الحالقة، أما إنّي لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدّين)، وقد جاء في الأثر [ولكن في سنده عباد بن شيبة ضعيف، وشيخه سعيد بن أنس لا يعرف] (أصلحوا بين الناس، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة)، وقد قال تعالى: +إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" [الحجرات10]).
11ـ باب:طرق الإصلاح كما بَيَّّنَها شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
قال شيخ الإسلام رحمه الله لما سئل عن قوم من المسلمين سلكوا سبيل أهل الجاهلية من اقتتال ومطالبة بالثأر مع أن كل طائفة تدعي الحق: (الحمد لله: قتال هاتين الطائفتين حرام بالكتاب والسنّة والإجماع، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنّه أراد قتل صاحبه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع).
والواجب في مثل هذا ما أمر اللهُ به ورسولُه، حيث قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيجب الإصلاح بين هاتين الطائفتين، كما أمر الله.
والإصلاح له طرق:
-منها: أن تُجمع أموال الزكوات وغيرها حتى يدفع في مثل ذلك، فإن الغرم لإصلاح ذات البين يبيح لصاحبه أن يأخذ من الزكاة بقدر ما غرم، كما ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما....
-ومن طرق الصلح: أن تعفو إحدى الطائفتين أو كلاهما عن بعض مالها عند الأخرى من الدماء والأموال ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
-ومن طرق الصلح: أن يحكم بينهما بالعدل، فينظر ما أتلفته كلُّ طائفة من الأخرى من النفوس والأموال فيتقاصان، ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾، وإذا فضل لأحدهما على الآخر شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، فإن كان يجهل عدد القتلى، أو مقدار المال: جعل المجهول كالمعدوم، وإذا ادعت إحداهما على الأخرى بزيادة: فإما أن تحلفا على نفي ذلك، وإما أن تقيم البيّنة، وإما تمتنع عن اليمين فيقضي برد اليمين أو النكول..
-وإن تعذر أن تضمن واحدة للأخرى، فيجوز أن يتحمل الرجل حمالة يؤديها لصلاح ذات البين، وله أن يأخذها بعد ذلك من زكاة المسلمين، ويسأل الناس في إعانته على هذه الحالة وإن كان غنيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة بن مخارق الهلالي: (يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فيسأل حتى يجد سدادا من عيش، ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة، فإنه يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه، فيقولون: قد أصابت فلانا فاقة، فيسأل حتى يجد قواما من عيش ثم يمسك، ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته، ثم يمسك)، والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم، ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن، ومن كان من الطائفتين يظن أنه مظلوم مبغي عليه فإذا صبر وعفا؛ أعزه الله ونصر؛ كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، ولا نقصت صدقة من مال)، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فالباغي الظالم ينتقم الله منه في الدنيا والآخرة، فإن البغي مصرعه، قال ابن مسعود: ولو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكاً.
ومن حكمة الشعر:
قضى الله أن البغي يصرع أهله*وإن على الباغِي تدور الدوائر)اهـ(مجموع الفتاوى (35/80-81-84-8586).).
12ـ باب:السلطان يأمر رعيته بالعفو في الدماء.
قال شيخ الإسلام رحم الله: (..من توهم أنّه بالعفو يسقط حقه أو ينقص؛ غالط، جاهل، ضال، بل بالعفو يكون أجره أعظم، فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذلّ، ويحصل للظالم عزّ واستطالة عليه، فهو غالط في ذلك، كما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: مازاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، فبيّن الصادق المصدوق: أن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزا، وأنه لا تنقص صدقة من مال، وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا ردّ لما يظنه من يتبع الظن، وما تهوى الأنفس من أن العفو يذله، والصدقة تنقص ماله، والتواضع يخفضه)( مجموع الفتاوى (30/368).)
13 ـ باب:مفاهيم خاطئة في القصاص يصححها شيخ الإسلام رحمه الله.
14 ـ باب:حُكم من عاد إلى الجريمة وصُنعة الإرهاب بعد العفو، والإصلاح، والمعاهدة والمعاقدة.
ـ وفي الخاتمة أختم سفري هذا بكلام نفيس يكتب بماء العينين للشيخ حفظه الله ونفع به أهل الإسلام كلاما يجدر على أن ينبه عليه ويكون نصب العين كل المسلم وبخاصة الدعاة إلى دين الله حملة لواء السنة فقال الشيخ وفقه الله في ص 202ـ 203 : فعلى كل مسلم أن يكون دائما مشاركا في هذه الحياة بنفع إخوانه، مسابقا في ميادين الإصلاح والعمل المثمر، مسارعا إلى ما يؤلِّف القلوب ويرفع عنهم البغضاء والشحناء، مثابرا على رفع مستوى أمته لتكون خير أمة أخرجت للناس، وبذلك يسمو بين الورى بحسن الثناء ويسعد في آخرته عند الله بالأعمال الصالحات، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وصدق الشاعر حين قال:
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به * كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا
إنّ الثناء ليحيي ذكـر صاحبـه * كالغيث يُحيي نداه السهل والجبلا
وعلى الـمُصلِح أن يكون الإخلاصُ هو الدافع له على الصّلح وجمع كلمة المسلمين، لقوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"، وأن يكون صلحه سائرا تحت لواء الشريعة الغراء فلا ضرر ولا ضرار، فلا ينفذ صلحا مخالفا للسنة أو قائما على دعائم الظلم والجور، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم المؤمنين عائشة: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم، فصلحٌ هذا وصفه يكون مردودا على صاحبه، لعدم صحته، وقد ردّ صلى الله عليه وسلم الصّلحَ الباطل في قصة العسيف حيث قال صلى الله عليه وسلم: (أما الوليدة والغنم (التي اصطلحتم عليه) فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) رواه البخاري ومسلم.
فيا أيها المسلم الحذق الذي وقع في مشكلة مع أخيه المسلم، أو مع دولته، أو مع رجل ليس على ملته تمسك بالصلح العادل لما فيه من خيرٍ كثيرٍ، ومن جمع للكلمة، وحقن للدماء، وإرجاع للحقوق، وإغاظة لأعداء الله، ومن أعظم الأدلة على ذلك قصة صلح الحديبية الذي ظاهره النّقص، والضرر على المسلمين، وفي باطنه ما تجلى من المنافع العظيمة التي ظهرت لكل واحد بعد فترة قصيرة من الزمن، وأعظم ذلك فتح مكة )) انتهى
انتهى تسويد فوائد الكتاب بتاريخ : ليلة الأربعاء 23 محرم 1432 هـ
أسأل الله أن يجعله معينا لطلاب العلم لتمام قراءة الكتاب ومفتاح الخير
والحمد لله رب العالمين وصلى الله علي نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم







(1) انظر ص 10
(2) انظرص 11
(3) إنّ علاجَ الغلوِّ والفساد، والوقوفَ على الانحراف الفكري يجبُ أن يكون جذريًّا وشاملاً، وبالطُّرق الشرعية وِفق الأنظمة المرعية، فلا يُدْفع الباطل، ولا يرد الإرهاب إلا بالحقّ المبين كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، ويقول جلّ وعز: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر في صحيح مسلم كتاب الطب: (لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أُصيبَ دواءُ الداءِ برأَ بإذن الله عزوجل)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنّة (3/77): (...وليس لأحد أن يردّ بدعة ببدعة، ولا يقابل باطلا بباطل)؛ ومن رام علاج الإرهاب والفساد المنهجي بغلو آخر أنكى منه، وأشد وطأة على كبد الأمة؛ فإنّه يكون قد وضع القواعد والأعمدة لمنهج جديد، سماته الطمس والرّمس والرّفس لكل مخالف، كما هو الشّأن عند أقوام هداهم الله، وقد جاء في حديث أبي ذر الذي حسّنه علاّمةُ الشام رحمه الله في الصحيحة (برقم2046)، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يُجْتَنَى من الشَّوْكِ العِنَب)، ومنهج الإقصائيين يولد عنفا آخر في أوساط الأمة؛ يعسرُ معه ضبط الأمور، وتنوير العقول، ويعقّدُ عملية الإصلاح على المخلصين من أبناء الأمة، الذين يسعون إلى تنظيف السّاحة بالعلم بالحق، والرحمة بالخلق، مُتَّصفين بالحكمة والموعظة والحسنة، ومتحلِّين بالصّبر على جور المخالف.
(4) قال ص 24 إلى ص 27: إذا كان حالُ الشَّبابِ الخلطَ في التلقي، والتغذي بكل ما يجدونه من خبيث وفاسد، والاحتكاك بالملوث والأجرب، فإنَّ الأمر سيئول بهم إلى فساد الفطرة والحال والطّبع، والوقوع في الكدر، والاتصاف بالتلون، وفقدان الصفاء، والغيرة على الوطن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء بعد ما بيّـن خطورة التشبّه بالمجرمين في أحوالهم وأعيادهم: (...والشرائع هي غذاء القلوب وقوتها كما قال ابن مسعود رضي الله عنه ويرويه مرفوعا: (إنّ كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإنّ مأدبة الله هي القرآن) ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من الطعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله وإن أكل منه إلاّ بكراهةٍ وتجشم، وربما ضرّه أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنّه تعظم محبته له، ومنفعته به، ويتم دينه، ويكمل إسلامه، ولذا تجد من أكثر سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقُص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرِهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه الاهتمام ونظير هذا كثير)( اقتضاء الصراط المستقيم (1/485ط الرّشد).)اهـ.
وقال رحمه الله في درء التعارض بعد ما بَيَّن أنَّ بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي (فإن الغذاء لا ينفعه -أي المريض- مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء...)( درء التعارض(1/20)).
وقد حذّر السّلفُ الكرام من مجالسة أهل الأهواء والأفكار الهدامة: فقد قال أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلونهم، فإني لا آمن أن يغمِسُوكم في الضلالة، أو يُلبِّسوا عليكم في الدين بعض ما لُبِّس عليهم) إسناده صحيح.
وعن عمر بن عبد العزيز قال: (من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل) إسناده صحيح.
إنّ اعتياد بعض شبابنا -هداهم الله- على مجالسة أهل الباطل والاحتكاك بهم، -والاختلاط بأصحاب الفكر المنحرف عن الحق على الدوام، مع مجاراتهم على سلوكهم النازل، والخوف من الردّ عليهم لكسب جانب من أتباعهم وأنصارهم، والاعتداد بالنفس ورفعها إلى مقام العصمة والبعد عن التأثر، مع الأخلاط التي تحملها بسبب القرب من أهل الضلال، أضف إلى ذلك خوائها من العلم الشرعي الواقي من الشبه، مع أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس كما قال ابن رجب رحمه الله-؛ مفسدةٌ جلية لفطرتهم، ومظنةٌ للتلون والكدر، والتنقل من حال إلى حال أسوء منه، والله الحافظ من داء أهل الأهواء.
وَضْعٌ صيَّر نظرتهم إلى أمتهم سوداء وقاتمة، وحينها أمسى الشباب والعياذ بالله يعيبون النّاس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس، وأعينهم تطرف على الأجذاع، لا يُتقنون إلا القدح وإظهار العيوب، وغدا شعارهم هلك الناس..هلك الناس، بل قد يدخلهم الفكرُ المنحرف في أمراض نفسية خطيرة يصعب الخروج منها، وما نراه في سلوك كثيرٍ من الشّباب من طيش واضطراب في الأقوال والأفعال والأحوال إلا بسبب مخالطتهم لأصحاب الأفكار الهدامة التي أفسدت فطرتهم وغيرتها، وجعلت على قلوبهم الرّان، والله المستعان والواقي من شرّ أفكار أصحاب الفتن والنيران.
قال العلاّمة أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي (م386) في مقدمة رسالته العظيمة: (واعلم أنّ خير القلوب: أوعاها للخير، وأرجى القلوب ما لم يسبق الشرّ إليه).
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (وكم جلبت خلطة النّاس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلّت من رزية، وأوقعت في بلية، وهل آفة النّاس إلا النّاس؟ وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضرّ من قرناء السوء؟ لم يزالوا به حتّى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد)( مدارج السالكين (1/489).).
إنّ القربَ من أهل الأهواء يحبَّب للمسلم الوقوف على كتبهم، ويزين له العكوف على قراءتها والاغتناء بمادتها المزجاة، وهذه الحالة التعليمية والتربوية تحجب النّور عن البصيرة، وتدخل المقدم عليها بحار الحيرة، وتفسد فطرته، وتُميت فيه الغيرة على الحقّ.
قال ابن العطار: قال النووي رحمه الله: (وخطر لي الاشتغال بعلم الطبّ، فاشتريت القانون لابن سينا، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليّ قلبي، وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري ومن أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله تعالى أن سببه اشتغالي بالطب، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بالطّب، فاستنار قلبي، ورجع إلي حالي، وعدت إلى ما كنت عليه أوّلا)( انظر المنهل العذب للسخاوي (ص42)، والمنهال السوي للسيوطي (ص35).).
قلت:هذا حال النووي الفقيه حين قرأ كتب ابن سينا المليئة بالضلال، وعفن الإسماعيلية والقرامطة الباطنية، فكيف يكون حال شبابنا المساكين حين يعكفون على كتب سيد قطب وضربه من المنحرفين، وأشرطة ابن لادن وأيمن الظواهري المصري الضال، وكتب الرافضة، وأشكالهم من المشبوهين؟، فاللهمّ سلِّم سلّم.
(5) وهذا هو المقصد من مشروع الصّلح الذي دعا إليه حاكمُ البلاد وأعوانه المخلصون من أبناء الوطن، وهو عمل صالح يسعى أصحاب الفطر السليمة، والعقول المتينة إلى تجسيده إلى خلق ثابت في حياة المسلمين.
ولكن العجيب في الأمر أن يقوم بعضُ النّاس هداهم الله تعالى ممن فسدت فطرتهم، ومرجت عهودهم، وكان لهم النصيب الأوفر في تأجج نار الفتنة في الجزائر باسم قيامة دولة إسلامية بردِّ مشروع الصّلح، وبذل الجهد في إفشاله بشتى الدعاوى الباطلة، والتي منها: إن الأزمة التي عصفت بأبناء الجزائر لها صبغة سياسية محضة، فلا تناقش ولا تطرح على مائدة الحوار إلا هي موشحة بلباس سياسي صرف!.
فقلت: ليت شعري أي سياسة يريدون حلّ الأزمة بها بعد أن خطف الظواهريُ حاملي السلاح والمختبئين في الكهوف والمغارات من بين أيديهم وهم ينظرون، وبعد أن فقدوا السيطرة عليهم، ولم تعد لهم عليهم سلطة سياسية ولا شرعية، وأي سياسة يريدون تجفيف منابع العنف بها وقد كوِّنت جماعات قتالية ووحشية، كل يوم تتخذ لونا جديدا من القتال، واسما محدثا تدلس به على الخلق، وأي سياسة هذه التي يمنون العباد بها بعد أن أريقت دماء غزيرة، وحرقت مدارس ومصانع عديدة، وهدمت بيوت ورملت نساء، ويتِّم ولدان؟ وهل يتصور القوم العودة إلى النقطة التي توقف عندها المسار الانتخابي، ثم الشروع في نقاش حارٍ حول مائدة مستديرة بعد أن مضى على التقريع عهد ليس بالهين، جرف في طياته خلقا كثيرا؟.
ولماذا لم يتحل القوم بالصّبر حين ظُلِموا، وبالحنكة السياسة كما زعموا، واستحضروا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه المواقف، ثم بعد ذلك نهجوا القنوات السياسية التي يؤمنون بها، ويرونها كفيلة في استرجاع حقهم المسلوب.
لقد صدق في القوم ما أخرج الإمام مسلم في صحيحه حين أسرى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيا فقال بعد الأسر: يا محمد إني مسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)، وهكذا لو عالج القوم الأمر قبل أن يتعفن بالاستعانة بالله ثم بكبار العلماء والمخلصين من الحكماء لأفلحوا كل الفلاح، أمَا وأنَّهم هرعوا إلى السيف، واستوطنوا الجبال، وكوّنوا جماعات قتالية، وكانوا سببا في فتنة صماء أتت على الأخضر واليابس، فليس لهم أن يتظاهروا بالحنكة السياسية، وببعد النظر، والقدرة على تحقيق المصالح ودرء المفاسد بعد ما ظهر فشلهم الذّريع في ترتيب البيت من الداخل، وتجلى عداءهم المكشوف للشعب الذي آزرهم وأوصلهم إلى سدة الحكم، وبان فساد مشروعهم الخيالي الذي كانوا يمنّون الأمة به، فبعد هذه الفتن التي اختلط فيها الحابل بالنابل، فالسبيل الأمثل للخروج من نفق الخلاف والاقتتال يا دعاة السياسة زعموا يكون بالعودة إلى الصُّلح والوئام والسماحة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/154): (فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم، لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به).
وعليهم أن يجتهدوا في نشر مبادئ التعايش بالتراحم في ظل حكم عادل، وخال من الظلم والجبروت، ويسّعوا في تعليم النّاس المناهج السديدة في التعامل مع الفتن حين الأزمات، ويبذلوا الجهد في تربية أبناء الأمة تربية سالمة من الآفات، بدءً من تحسين المنظومة التربوية، واستغلال الإعلام في بث روح الشريعة في أنفس أبناء الوطن، وتحسين مهام المسجد في تبصير رواده بالحق وتحذيرهم من الباطل، إلى تكوين الجمعيات الخيرية والثقافية الموازية لمؤسسات الدولة لتكميل النقص الذي يعتري المؤسسات الرسمية، وبهذا المنهج إن شاء الله نسير قدما نحو مستقبل أفضل، وخال من الفتن، والله تعالى يتولى الصالحين من عباده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
رد مع اقتباس