شيخ الشعراء ...
بارك الله فيك على الفائدة مع لفت انتباهي لوجود مثل هذي الدرر وأنا في غفلة من أمري هائم على وجهي ...
فالحمد لله على توفيقي لمنتداكم وصحبة أمثالكم وأسأله سبحانه جل في علاه الثبات على ما نحن فيه مع العزم الأكيد كما نسأله النجاة يوم تكثر الزلات ولات حين مناص ...
اللهم و اهدنا إلى سواء الصراط و احفظنا فيما بقي من الأعمار ...
آمين
آمين
آمين
وقد شد نبيهتي وقرع حفيظتي بعض الكلمات المخالفة للصواب أثبت منها التالي :
قول الكاتب :
(ولعل خير ما أختم به الكلام طائفة من الأبيات لشعراء قدامى ومحدثين, كان لكلمة "بابا" في شعرهم نصيب.
أما أولهم فهو ابن الوردي (691 - 749هـ) عمر بن مظفر, صاحب اللامية المشهورة, حيث يقول:
أيا دادا حكت صِدغاكَ واوا * * * فما أحلى ثناياكَ العذابا
لقد صدتْكَ أمُّكَ عن رضانا * * * فيا ماما دعي للصلح باب)
ومن له أدنى اطلاع على شواهد العربية يعلم أن المولدين ويطلق عليهم المحدثين يبدء عد زمنهم من انقراض أغلب الإسلاميين إلى يوم الناس هذا أي من انقراض صدر الإسلام أو قل أغلب الصحابة رضوان الله عليهم ..
وبالتالي فابن الوردي من المحدثين وجها واحدا فضلا عمن استشهد بشعرهم كشوقي والقاضي الذين جاءا بعده بزمان ؛ ويعلم بهذا ما في كلام الكاتب من إيهام للسامع أن في من ذكر من يستشهد بكلامه ...
وقال الكاتب :
(فقد عثرت على ضالّتي خلال مطالعة عرضت لي في كتاب عبقرية اللغة العربية للدكتور عمر فروخ، وكانت أبياتاً رقيقة للشاعر العربي الغَزِل العباس بن الأحنف (192هـ) جاء فيها:
وكانتْ جارةً للحُو * * * رِ في الفردوس أحقابا
فأمسَتْ وهْيَ في الدنـ * * *ـيا وما تألفُ أترابا
لهـا لُعَبٌ مصفَّفَة ٌ * * * تُلقبُهُـنَّ ألقـابا
تنادي كلّما رِيعت * * * مِن الغِـرّةِ يـا بابا)
ولكن هل مجرد إيراده في شعر رجل مات في حدود مطلع القرن الثالث يعد بذلك شاهدا ...؟
وزد على ذلك أن هذا الذي نقل عنه الكاتب في بيئة وزمن كثر فيه الأعاجم بسبب الفتوحات وهل موته إلا حين بلغ مثل المأمون أوج الفتوة في قابل الثلاثين من عمره وقد تولى الخلافة في الثامن والتسعين ومائة من الهجرة النبوية ؛ وكلنا يعلم ما كان في تلك الأزمنة من تعريب لكتب اليونان و اختلاط العرب بالعجم وما غلبت على كثيرين من عجمة الألسن ولكنة الفهم ...
وكذلك هل يصح في العربية أن يحتج لكلمة بأنها عربية فصيحة بمجرد أن يرد ذكرها عند مولد في خاتمة القرن الثاني مستشرفا إلى الثالث ؛ هذا الذي لا أظن للعلماء إجماعا فيه وأيضا كيف تخفى كلمة من أشعار الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين على وفرتهم وكثرتهم ثم تكون في كلام المولدين في عصر تبع الأتباع عهد الإمام الشافعي ؛ والشافعي كما هو معلوم في الطبقات ولد سنة خمسين ومائة وكذلك يزيد بن هارون المولود في حدود سبعة عشر ومائة وهما معدودان في طبقة صغار أتباع التابعين ؛ وقد عاصرا أرباب فلسفة وكلام اليونان كحفص الفرد و بشر المريسي من تلاميذ جهم بن صفوان وتلاميذ تلاميذه ...
فما يدرينا أن هذه الكلمة مما دخل عليه من لكنة وعجمة أهل بغداد ؛ وذلك أن ابن الأحنف من سكان بغداد وشعرائها ؛
قال صاحب العمدة :
"
وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان يشبه به من المولدين العباس بن الأحنف،
فإنه ممن أنف عن المدح تظرفاً، وقال فيه مصعب الزبيري: العباس عمر العراق، يريد أنه لأهل العراق كعمر بن أبي ربيعة لأهل الحجاز، استرسالاً في الكلام، وأنفة عن المدح والهجاء، واشتهر بذلك، فلم يكن يكلفه إياه أحد من الملوك ولا الوزراء، وقد أخذ صلة الرشيد وغيره على حسن التغزل ولطف المقاصد في التشبيب بالنساء" ؛
وقريب من قول ابن رشيق قول ابن قتيبة في الشعر والشعراء .
و أضف إلى ما سبق أن شعر المولدين لا يستشهد به على العربية باتفاق علماء الفن بخلاف البديع وغيره ؛
قال البغدادي في خزانته:
"(في الكلام الذي يصح الاستشهاد به في اللغة والنحو والصرف) : قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر : علوم الأدب ستة اللغة والصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع ؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا بكلام العرب دون الثلاثة الأخيرة ؛ فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين لأنها راجعة إلى المعاني ؛ ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم إذ هو أمر راجع إلى العقل ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وهلم جرا ه ... وأقول : الكلام الذي يستشهد به نوعان شعر وغيره
فقائل الأول قد قسمه العلماء على طبقات أربع :
الطبقة الأولى : الشعراء الجاهليون وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى ...
الثانية : المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان .. الثالثة : المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق ...
الرابعة : المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى زماننا كبشار ابن برد وأبي نواس ...
فالطبقتان الأوليان : يستشهد بشعرهما إجماعا
وأما الثالثة : فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها؛ وقد كان أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم كما سيأتي النقل عنهم في هذا الشرح إن شاء الله في عدة أبيات أخذت عليهم ظاهرا وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم كانوا في عصرهم والمعاصرة حجاب ...
قال ابن رشيق في العمدة :كل قديم من الشعراء فهو محدث في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله ؛ وكان أبو عمرو يقول لقد أحسن هذا المولد حتى لقد هممت أن آمر صبياننا برواية شعره يعني بذلك شعر جرير والفرزدق فجعله مولدا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدمين ؛ قال الأصمعي جلست إلى ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامي ...
وأما الرابعة : فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا ؛ وقيل يستشهد بكلام من يوثق به منهم واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح ؛ واستشهد الزمخشري أيضا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره وقال وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فأجعل ما يقوله بمنزل ما يرويه؛ ألا ترى إلى قول العلماء : الدليل عليه بيت الحماسة ؛ فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه ...
واعتُرض عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق ؛ واعتبار القول مبني على معرفة أوضاع اللغة العربية والإحاطة بقوانينها ومن البين أن إتقان الرواية لايستلزم إتقان الدراية ..
وفي الكشف : أن القول رواية خاصة فهي كنقل الحديث بالمعنى..
وقال المحقق التفتازاني في القول : بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد؛ بل هو بعمل الراوي أشبه وهو لا يوجب السماع إلا ممن كان من علماء العربية الموثوق بهم ؛ فالظاهر أنه لا يخالف مقتضاها فإن استؤنس به ولم يجعل دليلا لم يرد عليه ما ذكر ولا ما قيل من أنه لو فتح هذا الباب لزم الاستدلال بكل ما وقع في كلام علماء المحدثين كالحريري وأضرابه والحجة فيما رووه لا فيما رأوه ...
وقد خطأوا المتنبي وأبا تمام والبحتري في أشياء كثيرة كما هو مسطور في شروح تلك الدواوين ...
وفي الاقتراح للجلال السيوطي : أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين في اللغة والعربية ...
وفي الكشاف ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها فإنه استشهد على مسألة بقول أبي تمام الطائي وأول الشعراء المحدثين بشار بن برد وقد احتج سيبويه ببعض شعره تقربا إليه لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره ذكره المرزباني وغيره ..
ونقل ثعلب عن الأصمعي أنه قال : ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة وهو آخر الحجج ...
وكذا عد ابن رشيق في العمدة طبقات الشعراء أربعا قال هم جاهلي قديم ومخضرم وإسلامي ومحدث ؛ قال : ثم صار المحدثون طبقات أولى وثانية على التدريج هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا ...وجعل الطبقات بعضهم ستا ؛ وقال: الرابعة : المولدون وهم من بعد المتقدمين كمن ذكر والخامسة : المحدثون : وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتري والسادسة : المتأخرون : وهم من بعدهم كأبي الطيب المتنبي ؛ والجيد : هو الأول إذ ما بعد المتقدمين لا يجوز الاستدلال بكلامهم فهم طبقة واحدة ولا فائدة في تقسيمهم ..." .
فانظر أخي القاريء ؛ فإن كان كل هذا الخلاف والنفار حول الاستشهاد بمثل أبي تمام حبيب بن أوس ؛ فما أدراك بمن عد دونه في شاعريته عند النقاد بل لم يقارنوا به ؛ وكما أنه لا شك ولا خلاف في أن العباس بن الأحنف من زمرة المولدين ؛
قال صاحب العمدة:
"وقالت طائفة من المتعقبين: الشعراء ثلاثة: جاهلي وإسلامي ومولد ؛ فالجاهلي امرؤ القيس والإسلامي ذو الرمة والمولد ابن المعتز ؛ وهذا قول من يفضل البديع وبخاصة التشبيه على جميع فنون الشعر...
وطائفة أخرى تقول: بل الثلاثة الأعشى والأخطل وأبو نواس ؛ وهذا مذهب أصحاب الخمر وما ناسبها ومن يقول بالتصرف وقلة التكلف ...
وقال قوم: بل الثلاثة مهلهل وابن أبي ربيعة وعباس بن الأحنف ؛ وهذا قول من يؤثر الأنفة وسهوله الكلام والقدرة على الصنعة والتجويد في فن واحد؛ ولولا ذلك لكان شيخ الطبع أبو العتاهية مكان عباس ؛ لكن أبا العتاهية تصرف ...
وليس في المولدين أشهر اسماً من الحسن أبي نواس ؛ ثم حبيب [ وهو أبو تمام حبيب بن أوس ]؛ والبحتري ؛ ويقال: إنهما أخملا في زمانهما خمسمائة شاعر كلهم مجيد ... ثم يتبعهما في الاشتهار ابن الرومي وابن المعتز، ... ؛ ومن طبقة أبي نواس : العباس بن الأحنف ؛ ومسلم بن الوليد صريع الغواني؛ والفضل الرقاشي؛ وأبان اللاحقي؛ وأبو الشيص؛ والحسين بن الضحاك الخليع؛ ودعبل؛ ونظراء هؤلاء ساقتهم دعبل ليس فيهم نظير أبي نواس.".
فانظر يرحمك الله إلى قوله (وليس في المولدين أشهر اسماً من الحسن أبي نواس ؛ ثم حبيب [ وهو أبو تمام حبيب بن أوس ]؛ والبحتري) وإلى قوله (ومن طبقة أبي نواس : العباس بن الأحنف) تعلم أن ابن الأحنف لا يعدل بأبي تمام؛ وأنت تعلم كما سبق الخلاف في شعر حبيب ؛ فكيف بشعر العباس ...؟؟؟
وهذا كله لو اعتبرنا ما نقل الكاتب عنه ثابتا يقينا وأنه غير منحول ( أي أدخل عليه في شعره ) ؛ وقد مر معنا في قصيدة مالك بن الريب التي قيل أنها قريب من ستين بيتا ؛ وما نقله الميمني وغيره أن معمر بن المثنى يقول : (رثى مالك نفسه باثنتي عشرة بيتا وكل ما زاد عليها منحول أدخل عليه) ومثلها في كثير من القصائد العربية ؛ أو ربما محور بأن يقصد (بابا) بالتنوين لا ( بابا) بالإطلاق...
أكتفي بالإشارة إلى هذه اللفتات مستغنيا بها عن غيرها ...
والحمد لله رب العالمين ...