عرض مشاركة واحدة
  #45  
قديم 01-27-2011, 04:35 PM
رائد علي أبو الكاس رائد علي أبو الكاس غير متواجد حالياً
سَلَّمه الله وعافاه
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: فلسطين الأرض المقدسة
العمر: 50
المشاركات: 96
رائد علي أبو الكاس is on a distinguished road
افتراضي

منهج أهل السنة في معاملة كتب أهل البدع

إنّ من المصـائب التي انتشرت في هذا الزمان، وطار شررهاوضررها، تلك الكتب التي امتلأت بالبدع والخرافات، والدعوة إلى مناهج جديدةمحدثة، فهذه الكتب البدعيّة كانت سبيلاً قوياً لكل مبتدع أن يبثّ بدعتهوضلالته بين الناس، ويزوقهاويزينها بأحسن أسلوب، لكي يسهل رواجها، وتنطليعلى جهال المسلمين.

ولكنبقي سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: ما السبيل إلى النجاة من هذه الكتب، ووقاية أهل السنّة منها؟
فالسبيل هو اتباع طريقة السلفالصالح في معاملتهم لكتبأهل الأهواء والبدع، فطريقتهم هي التحذير من تلك الكتب، وترك النظر فيها،والتحذير منأصحابها، بل أفتوا بوجوب إتلاف تلك الكتب وإحراقها وإزالةأعيانها.
وليس ذلك أخي في الله من الظلم، بل هو عين العدل، إذالظلم ترك تلك الكتب المليئة بالبدعوالضلالات من غير تحذير أو تبيين لمافيها من باطل، فيضل بسبب ذلك كثير من الناس وينهجونمناهج بدعيّة مخالفةللكتاب والسنّة.
وسأوردلكأخيفي الله عدداً من النقول عن السلف تبين لك بوضوح تلكالطريقة،وترد على دعاة الضلالة الذين يحثون الشباب على قراءة كتب ساداتهم، حتىيوقعوهم في شباكهم فلا يستطيعوا الخلاص([1])،وإذا قيل لهـم: تلك الكتب فيها الطعـن في بعضالأنبياء، وتكفير بعضالصحابة، والقول بخلق القرآن، وفيها كذا وكذا، قال - وبكل وقاحة -: خذالحق واترك الباطل.
فنقول له: نعم الحق يؤخذ من كل من قاله، والسلف الصالح لايتوقفون عن قبول الحق، مع ذلك لميقولوا خذ الحق من كتب أهل البدع واتركالباطل، بل نادوا بأعلى أصواتهم بتركها كلياً،بل وأوجبوا إتلافها، وذلكلأنّ الحق الموجود في كتب أهل البدع إنما هو مأخـوذمن الكتاب والسنّة،فوجب أن نأخذ الحق من مصادره الأصلية، التي لا يشوبها كدرولا بدعة، إذ هيالمعين الصافي والماء العذب.
ومثالذلك: عينا ماءٍ إحداهما صافية نقية، والأخرى عكرة مليئة بالطينوالكدروالوسخ والقذر، فهل يقول عاقل: اذهب إلى العين الثانية وخذ منها الماء، لايقولذلك عاقل.
فكيف إذا وُجد من يصد الناس عن العيون العذبة الصافية ويدعوهم إلى أن ينهلوا من العيون الكدرة المليئة بالأقذار والأوساخ.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - : ((ومن لهنهمة في طلب الأدلة على الحق، ففي كتاب الله، وسنّة رسوله، مايكفي ويشفي؛ وهما سلاح كلموحد ومثبت، لكن كتب أهل السنّة تزيد الراغبوتعينه على الفهم وعندكم من مصنفاتشيخنا - رحمه الله - ما يكفي معالتأمل؛ فيجب عليكم هجر أهل البدع، والإنكار عليهم))([2])
وقد حذّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قراءة كتب أهل الكتاب مع أنها لا تخلو من حق، فعـن جابـر بن عبد الله - t -: أنّ عمر بن الخطاب - t - أتى النبي -صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فغضب، وقال: ((أمتهوكونيا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكمبها بيضاء نقيّة،لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذينفسي بيده؛ لو أنّموسى عليه السلام كان حياً ما وسعه إلا أن يتّبعني))([3]).
بلقـد نقل بعض الأئمة الإجماع على ترك النظر في كتب أهل البدع، ولم يقولوا خذ الحق واترك الباطل.
كما قال الإمام ابن خزيمة رحمهالله ( ت: 311 ) لما سئل عن الكلام في الأسماء والصفات فقال:
((بدعة ابتدعوها،لم يكن أئمةالمسلمين وأرباب المذاهب وأئمة الدين، مثل مالك، وسفيان،والأوزاعي، والشافعي، وأحمد،وإسحـاق، ويحيى بن يحيى، وابن المبارك، ومحمدبن يحيى، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن،وأبي يوسف: يتكلمون في ذلك، وينهونعن الخوض فيه، ويدلّون أصحابهم على الكتابوالسنّة، فإياك والخوض فيهوالنظر في كتبهم بحال )) ([4]).
وكما في قول الإمام أبي منصور معمر بن أحمد ( ت: 418 ) الذي رواه أبو القاسم الأصفهاني رحمه الله في كتابه ( الحجة في بيانالمحجة([5])فقال:
أخبرنـا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، أنا أبو منصور معمر بن أحمدقال:
((ولما رأيت غربةالسنة، وكثرةالحوادث، واتباع الأهواء، أحببت أن أوصي أصحابي وسائرالمسلمين بوصية من السنة وموعظة منالحكمة وأجمع ما كان عليه أهل الحديثوالأثر، وأهل المعرفة والتصوف([6]) منالسلـف المتقدمين والبقية من المتأخرين.
فأقول - وبالله التوفيق -: ))
فذكر من جملة ذلك:
((ثم من السنة تركالرأي والقياسفي الدين وترك الجدال والخصومات وترك مفاتحة القدريةوأصحاب الكلام، وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم، فهذهالسنة التياجتمعت عليها الأئمة وهي مأخوذة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بأمر الله تبارك وتعالى. ))
وإليك - أيضاً - بعض أقوال ومواقف أهل العلم من أهل السنّة، حتى يتبين لك بوضوح صدق ما أقول.
قال الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول:
((سلام بنأبي مطيـع من الثقات، حدثنا عنه ابن مهدي، ثم قال أبي: كان أبو عوانة وضع كتاباً فيه معايب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه بلايا، فجـاء سلام بن أبي مطيع فقال: يا أبا عوانة، أعطني ذاكالكتاب فأعطاه، فأخذه سلام فأحرقه. قـال أبي: وكـان سلام منأصحاب أيوبوكان رجلاً صالحاً)) ([7]).
وعن الفضل بن زياد أن رجلاً سأله عن فعل سلام بن أبيمطيع، فقال لأبي عبد الله: أرجو أن لا يضرّهذاك شيئاً إن شاء الله؟ فقالأبو عبد الله: يضره!! بل يؤجر عليه إن شاء الله ([8]).
وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - عن الكرابيسي وماأظهره؟ فكلح وجهه ثم قال : ((إنماجاء بلاؤهم من هذه الكتب التي وضعوها تركوا آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وأقبلوا على هذه الكتب)) )[9]).
وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله: استعرت كتاباً فيهأشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟قال: نعم. قال المروذي: قال أبو عبدالله: يضعونالبدع في كتبهم، إنما أحذر منها أشد التحذير ([10]).
وقالالإمام أحمد -أيضاً-: إياكم أن تكتبوا عن أحد من أصحاب الأهواء قليلاً ولا كثيراً، عليكم بأصحابالآثار والسنن ([11]).
وعن حرب بن إسماعيل قال: سألت إسحاق بن راهوية، قلت: رجلسرقكتاباً من رجل فيه رأي جهم أو رأي القدر؟ قال: يرمي به. قلت: إنّهأخذ قبل أن يحرقه أو يرمي به هل عليه قطع؟ قال: لاقطع عليه، قلت لإسحاق: رجل عنده كتاب فيه رأي الإرجاء أو القدر أو بدعة فاستعرته منهفلما صار فييدي أحرقته أو مزقته؟ قال: ليس عليك شيء([12]).
وقال الإمام مالك رحمه الله -:
((لا تجوزالإجـارات في شيء من كتـب الأهـواء والبدعوالتنجيم))([13]).
وقال أبو محمد ابن أبي حاتم:
((وسمعت أبي وأبازرعة: يأمران بهجران أهل الزيغ والبدع، يغلظان في ذلك أشد التغليظ، وينكرانوضع الكتب برأي في غير آثـار، وينهيان عن مجالسة أهل الكلام والنظر فيكتبالمتكلمين، ويقولان لا يفلح صاحب كلام أبداً)) ([14]).
وقال أيضاً:
((ووجدت في كتب أبي حاتم محمد بنإدريس بن المنذر الحنظلي الرازي - رحمه الله - مما سمع منه يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول اللهصلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، وترك النظر في موضع بدعهم([15])والتمسكبمذهب أهل الأثر... وترك رأي الملبّسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين.
وتـرك النظـر في كتب الكرابيسي ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه))([16]).
وقال نعيم بن حماد :
((أنفقت على كتبه - يعني إبراهيمبن أبي يحيى - خمسة دنانير ثم أخرج إلينا يوماً كتاباً فيهالقدر وكتاباً فيه رأي جهم، فقرأته فعرفت، فقلت: هذا رأيُك؟! قال: نعم. فحرقتُ بعض كتبه فطرحتها )))[17])
وقد عقد الإمام أبو نصر عبيد الله بن سعيد السِّجزي في رسالته إلى أهلزبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت فصلاًفي ذلك فقال :
((الفصل الحادي عشر في الحذر منالركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب؛ لأن التلبيس قد كثر والكذب على المذاهب قد انتشر .
اعلموا رحمنا وإياكم الله سبحانه، أن هذا الفصل من أولىهذه الفصول بالضبط لعموم البلاء، ومايدخل على الناس بإهماله، وذلك أنأحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عز،ومن يبيع دينه بعرضيسير، أو تحبباً إلى من يراه قد كثر، والكذب على المذاهب قدانتشر فالواجبعلى كل مسلم يحب الخلاص أن لا يركن إلى كل أحد ولا يعتمد على كلكتاب،ولا يسلّم عنانه إلى من أظهر له الموافقة ... .
فمن رام النجاة من هؤلاء، والسلامة من الأهواء فليكنميزانه الكتاب، والأثر - في كل ما يسمعويرى؛ فإن كان عالماً بهما عرضهعليهما - واتباعه للسلف .
ولا يقبل من أحد قولاً إلا طالبه على صحته بآية محكمة، أو سنة ثابتة، أو قول صحابي من طريق صحيح ... .
وليحذر تصانيف من تغير حالهم فإنفيها العقارب وربما تعذّر الترياق )))[18]).
وقال الحافظ أبو عثمان سعيد بن عمرو البردعي:
((شهدت أبا زرعةـوقد سئل عن الحارث المحاسـبي وكتبـه ـ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب هذهكتب بدع وضلالات عليكبالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب.
قيل له: في هذه الكتب عبرة.
فقال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليـس له في هذهالكتب عبرة، بلغكم أن مالك بن أنس وسفيانالثوري والأوزاعي والأئمةالمتقدمين صنفوا هذهالكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟! هؤلاء قومخالفوا أهل العلم ثم قال: ما أسرعالناس إلى البـدع)) ) [19]) .
قال الذهبي معلقاً:
((وأين مثلالحارث؟ فكيف لو رأىأبو زرعة تصانيفالمتأخرين كالقوت لأبي طالب، وأينمثل القوت ! كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، وحقائق التفسيرللسلميلطار لُبُّه.
كيف لو رأى تصانيف أبي حامدالطوسي في ذلك على كثرة ما في الإحياء من الموضوعات؟!.
كيف لورأى الغنية للشيخ عبد القادر ! كيف لو رأى فصوص الحكم والفتوحات المكية؟!.
بلى لما كان الحارث لسان القوم فيذلك العصر كانمعاصره ألف إمام في الحديث، فيهم مثل أحمد بن حنبـل وابن راهويه، ولما صارأئمة الحديث مثل ابن الدخميس، وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب الفصوصوابن سفيان. نسأل الله العفو والمسامحة آمين))([20]).
وقال شيخنا الفاضل ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله ورعاه - بعد نقلهلكلام الذهبي السابق:
((أقول: رحم اللهالإمام الذهبي؛كيف لو رأى مثل ( الطبقات ) للشعراني، وجواهر المعانيوبلوغ الأماني في فيض أبي العباس التيجاني لعلي ابن حرازم الفاسي؟! كيف لورأى خزينة الأسرار لمحمد حقي النازلي؟! كيفلو رأى نور الأبصارللشلنبجي؟! كيف لو رأىشـواهد الحق في جـواز الاستغاثة بسيد الخلق وجامعالكراماتللنبهاني؟! كيف لو رأى تبليغي نصاب وأمثالهمن مؤلفات أصحابالطرق الصوفية؟! كيف لو رأى مؤلفات غزالي هذا العصر وهي تهاجم السنّةالنبويّة وتسخر من حملتهاوالمتمسكين بها من الشباب السلفي وتقذفهم بأشنعالتهم وأفظع الألقاب؟! كيف لو رأى مؤلفات المودودي وما فيها من انحراف عقديوعقلي وسلوكي؟! كيف لو رأى مؤلفات القرضاوي وهي تدافع عن أهل البدعوتنتصر لها، بل تشـرح أصولها، والذي ينحـى منحى غزالي هذا العصر، بل هوأخطر؟! كيف لو رأى دعاة زماننا وقد أقبلوا على هذه الكتب المنحـرفة، وهميُسيّرونشبابهم وأتباعهم على مناهج الفرق المنحرفة الضالّة، بل وينافحونعنها وعن قادتها المبتدعين؟! كيف لو رأى مصنفات الكوثريوتلاميذه أبي غدّةوإخوانه من كبار متعصبي الصوفيّة والمذهبية؟! كيف لو رأى مصنفات البوطيوأمثاله من خصوم السنّة وخصوم مدرسة التوحيدومدرسة ابن تيميّة؟! كيف لورأى شباب الأمة بل شبابالتوحيد وقد جهلوا منهـج السلـف بل جهلوا الكتابوالسنّة وأقبلوا على هذه الكتبالمهلكة؟! )) ([21]).
بـل كيف لو رأى مؤلفات سيد قطب وما فيها من سبّ بعضالأنبياء كآدم وموسى، وما فيها من سبّ الصحابةبل وتكفير بعضهم، وما فيهامن القول بخلق القرآن، ووحدة الوجود، والاشتراكيةالغالية، وتكفيرالمجتمعـات وغير ذلك من البدع الغليظة، والضلالات العظيمة ([22]).
وإليكمقولة واحدة من مقولاته في الطعن في الصحابة، ثم زن ذلك بميزان الشرع، ميزان الحق والإنصاف لا ميزان الهوى والعصبيّة.
قال سيد قطب في كتابه ( كتب وشخصيات ) ([23]):
((إن معاويةوزميله عمراً لم يغلباعلياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منهبالتصرفالنافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدامكل سلاحوهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع.
وحين يركنمعاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعةوالنفاق والرشـوة وشـراء الذمم، لا يملك علي أنيتدلى إلى هذا الدركالأسفل. فلا عجب ينجحـان ويفشل،وإنه لفشل أشرف من كـل نجاح )).
وقدسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - عن هذه المقولة، فقـال:
((كلام قبيح هذا،كلام قبيح لسبّهمعاوية وسبه عمرو بن العاص، كل هذا كلام قبيح، وكلام منكرومعاوية وعمرو مجتهدون أخطئوا، مجتهدون أخطئوا. والله يعفو عنهم)).
فقالسائل له: أحسن الله إليك، ما ينهى عن هذه الكتب التي فيها هذا الكلام؟
فقال: ((ينبغي أن تمزق)) ([24])
وقال ابن قدامة - رحمه الله -:
((ومـن السنةهجران أهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر فيكتب المبتدعة، والإصغاء إلىكلامهم،وكل محدثة في الدين بدعة))([25]).
وقال أيضاً في أثناء ردّه على ابن عقيل ([26]):
((أما هو وحزبه منأهل الكلام، فماذكرهم إلا ذمّهم والتحـذير منهم، والتنفير من مجالستهم،والأمر بمباينتهموهجرانهم، وترك النظر في كتبهم)).
وقال العلامة ابن مفلح في كتابه " الآداب الشرعية" )[27]) :
((وذكرالشيخ موفق الدينرحمه اللهفي المنع من النظرفي كتب المبتدعة، قال: كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع، والنظر في كتبهم والاستماع لكلامهم )).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - لما ذكر بأن كل ما رغّب في المعصية ونهى عن الطاعة فهومن معصية الله قال:
((ومنهذا الباب سماع كلام أهل البدع، والنظر في كتبهم لمن يضره ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية الله))([28]).
وقالشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله بعد ذكـره لبعض أقوال أهل البدع:
" يا منيظن بأننا حفنا عليـ
فانظر ترى لكن نرى لك تركها
فشباكها والله لم يَعْلَـق بهـا
إلا رأيت الطير في قفص الرّدى
ويظلّ يخبط طالباً لخلاصه
والذنب ذنب الطير خلّى أطيب الثّـ
وأتـى إلى تلك المزابـل يبتغي الـ
يا قوم والله العظيم نصيحـة



ـهم كتبهم تنبيكعن ذا الشان
حذراً عليك مصائد الشيطان
من ذي جناحٍ قاصر الطـيران
يبكي له نوحٌ على الأغصان
فيضيق عنه فرجة العيدان
ـمرات في عالٍٍ من الأفنان
ـفضلات كالحشرات والديدان
من مشفقٍ وأخٍ لكم معوان([29] (


قالالشيخ محمد خليل هراس في شرحه لنونيّة ابن القيم معلقاً على هذه الأبيات ([30]):
((ولا يظنن أحدأننا نتجنى علىالقوم أو نتهمهم بغير الحق، فتلك كتبهم تخبر عنهم كل منينظر فيها وتشهد عليهم شهادة صدق، فليقرأها من شاء ليتأكدمن صحة مانسبناه إليهم، لكنا مع ذلك ننصح كل أحد أن لا يقرأ هذه الكتب حتى لا يقعفي حبائلها ويغرّه ما فيها من تزويق المنطقوتنميق الأفكار، لا سيما إذالم يكن ممن رسخ في علومالكتاب والسنة قدمه ولا تمكن منهما فهمه، فهذا لايلبث أن يقع أسير شباكها، تبكيه نائحة الدوح على غصنها،وهو يجتهد في طلبالخلاص فلا يستطيع، والذنب ذنبه هو، حيث ترك أطيب الثمرات علىأغصانهاالعالية حلوة المجتنى طيبة المأكل، وهبط إلى المزابل وأمكنة القذارة يتقمّمالفضلات كما تفعل الديدان والحشرات.
وما أروع تشبيه الشيخ رحمه الله حال من وقع أسير هذهالكتب وما فيها من ضلالات مزوقة قد فتنبها لُبُّه وتأثر بها عقله، بحالطير في قفص قد أحكم غلقه فهو يضرب بجناحيهطالباً للخلاص منه فلا يجد فرجةينفذ منها لضيق ما بين العيدان من فرج.
وما أجمل أيضاً تشبيهه لعقائد الكتاب والسنة بثمراتشهية كريمة المذاق على أغصان عالية،بحيث لا يصل إليها فساد ولا يلحقهاتلوث، وتشبيهه لعقائد هؤلاء الزائغين بفضلات قذرة وأطعمة عفنة ألقيت فيأحدى المزابل، فلا يأوي إليها إلا أصحاب العقول القذرة والفطرة المنتكسة )).
وقالالذهبي رحمه الله بعد أن ذكر بعض كتب أهل الضلال كرسائل إخوان الصفا وأمثالها:
((فالحذارِالحذارِ من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شُبَه الأوائل، وإلا وقعتم فيالحيرة، فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثةبالله،وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة،وسادة التابعين، والله الموفق)) ([31]).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في أثناء كلامه على الأشاعرة :
((فصنف المتأخرونمن هؤلاء علىمذهبهم الفاسد مصنفات، كالأرجوزة التي يسمونها: جوهرةالتوحيد؛ وهي إلحاد وتعطيل ، لايجوز النظر إليها ، ولهم مصنفات أخر نفوافيها علو الرب تعالى، وأكثر صفات كمالهنفوها، ونفوا حكمة الرب تعالى)) ([32]).
وقال العلامة صديق حسن خان:
((ومن السنة هجرانأهل البدع ومباينتهم وترك الجدال والخصومات في الدين والسنة، وكل محدثة فيالدين بدعة، وترك النظـرفي كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم في أصولالدين وفروعه، كالرافضة والخوارج والجهمية والقدرية والمرجئة والكراميّةوالمعتزلة، فهذه فرق الضلالة وطرائق البدع))([33]).
أضفإلى ذلكأن السلف قالوا بوجوب إتلاف كتب أهل البدع وإفسادها كما قال شيخ الإسلام ابن القيم:
((وكذلكلا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها.
قال المرّوذي: قلت لأحمد: استعرت كتاباً فيه أشياء رديئة ترى أني أخرقهأو أحرقه؟ قال: نعم، وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم - بيدي عمر كتاباً اكتتبه منالتوراة وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعّر وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه .
فكيف لورأى النبيصلى الله عليه وسلم ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بعضها ما في القرآن والسنة؟ واللهالمستعان وكل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها بل مأذونفي محقها وإتلافها وما على الأمة أضر منها. ))
إلىأن قال:
((والمقصود: أنهذه الكتب المشتملة على الكذب والبدعة، يجب إتلافها وإعدامها، وهي أولىبذلك من إتـلاف آنية الخمر؛ فإنضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمـان فيها،كمـا لاضمان في كسـر أواني الخمر وشقزقاقها)).([34])
وقـال ابن القيم أيضاً عند قول كعب بن مالك: ((فتيممتبالصحيفة التنور))-:
((فيه المبادرةإلى إتلاف ما يخشىمنه الفساد والمضرة في الدين، وأن الحازم لا ينتظر بهولا يؤخره، وهذا كالعصير إذا تخمّر، وكالكتاب الذي يخشىمنه الضرروالشـرّ، فالحـزم المبـادرة إلى إتلافه وإعدامه. )) ([35])
ونقل تقي الدين الفاسي في كتـابه ( العقد الثمين فيتاريخ البلد الأمين ) عن الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي المالكي ( ت: 743)،ما نصه:
((ويجب على وليالأمر إذا سمع بمثلهذا التصنيف ( أي مؤلفات ابن عربي " كالفصوص والفتوحاتالمكيّة " ) البحث عنه وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها، وأدّب من اتهم بهذاالمذهب أو نسب إليه أو عرف به، على قدر قوّةالتهمة عليه، إذا لم يثبتعليه، حتى يعرفه الناس ويحذروه، والله ولي الهداية بمنّهوفضله)))[36]).
ونقل - أيضاً عن الشيخ أبي يزيد عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن خلدون المالكي، مانصه:
((وأما حكم هذهالكتب المتضمنةلتلك العقائد المضلّة، وما يوجد من نُسخها بأيدي الناس،مثل: ( الفصوص )، و( الفتوحات) لابن عربي، و(البُدّ) لابـنسبعين، و ( خلعالنعلين ) لابـن قسي، و (عين اليقين ) لابن بَرَّجان، وما أجدرالكثير منشعر ابن الفارض، والعفيف التلمساني، وأمثالهما، أن تُلـحق بهذه الكتب،وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض،فالحكم في هذهالكتب كلها وأمثالها، إذهاب أعيانها متى وُجدت بالتحريق بالنار والغسلبالماء، حتى ينمحي أثر الكتابة، لما في ذلك من المصلحة العامة في الدين،بمحو العقائدالمضِلّة.
ثم قال: فيتعيّن على ولي الأمر، إحراق هذه الكتب دفعاًللمفسدة العامة، ويتعيّن على من كانتعنده التمكين منها للإحراق، وإلافينـزعها وليّالأمر، ويؤدبه على معارضته على منعها؛لأن ولي الأمر لايعارض في المصالح العامة ))([37]).
وقــال السخــاوي - رحـمه الله - في ترجمة شيخه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - :
((ومن الاتفاقياتالدالة على شدةغضبه لله ولرسوله: أنهم وجدوا في زمن الأشرف برسباي شخصاًمن أتباع الشيخ نسيم الدين التبريزي وشيخ الخروفية المقتول على الزندقة سنةعشرين وثمانمائة ومعه كتاب فيه اعتقادات منكرةٌفأحضروه، فأحرق صاحبالترجمة الكتاب الذي معه، وأراد تأديبه، فحلف أنه لا يعرف مافيه، وأنّهوجده مع شخص، فظنّ أنّ فيه شيئاً من الرقائق، فأُطلق بعد أن تبرّأمما فيالكتاب المذكور، وتشهّد والتزم أحكام الإسلام))([38]).
وقـد أحرق علي بن يوسف بن تاشفين كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامدالغزالي، وكان ذلك بإجماع الفقهاء الذين كانوا عنده ([39]).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في رسالته إلى عبد الله بن معيذر([40])، وكان قد بلغ الشيخ أنه يشتغلبكتاب الإحياء للغزالي ويقرأ فيه عند العامة:
((من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلىالأخ عبد الله. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد.
فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حميّةإسلامية، وغيرةدينية على الملة الحنيفية، وذلك: أنـك اشتغلـت بالقـراءة في كتاب (الإحياء ) للغزالي،وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بينمسائل الهداية والسعادة،ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياءمن التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملتعلى الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين.
وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتّبعوا الرسول،وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وحرم اتخاذالولائج من دون الله ورسوله ومندون عبادهالمؤمنين،وهذا الأصل المحكم لا قوام للإسلام إلا به، وقد سلكفي الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين، في كثير من مباحث الإلهيات وأصولالدين، وكسا الفلسفة لحاءالشريعة، حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق مندين الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخـل به الناسفي الإسلام،وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة يعرفها أولو الأبصار، ويمجّها منسلكسبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار.
قد حذّر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعةخافيها وباديها،بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عُرف بالسنّة،وسماهاكثير منهم: إماتة علوم الدين، وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع،وزيف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأنكثيراً من مباحثه زندقة خالصةلا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل )).

ماأشبه الليلة بالبارحة، فهل جعل هؤلاء الأئمة ما في كتاب إحياء علوم الدينمن الأدبيات والفوائدمسوّغاً لقراءة ذلك الكتاب، كلا ثـم كلا، بل أمروابحرقه والتحذير منه.
وكتاب إحياء علوم الدين أفضل من كثير من الكتب التي يدعواإليها دعاة هذه الحزبيات الجديدة، فهذهكتب سيد قطب التي يعظمونها بلويقدسونها، لم تترك بدعةً لا سيما البدع الغليظة إلا وقررتها وتبنتها، ولوكانت هذه الكتب موجودة في عهدالسلف الصالح أو في عهد الخليفة علي ابنيوسف الذي أحرق الإحياء، لأخّر إحراقالإحياء واتجه إلى كتب سيد قطببالحرق والإتلاف، أو لأحرقهما معاً، وإلى الله نشكوا ضعفنا.
ومن المواقف تجاه أهل البدع التي تسطر بماء الذهب ما حصلمن الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمهالله- من تعزيره لعبداللهالخنيزي مؤلف كتاب (أبو طالب مؤمن قريش) وأصدر فيه حكماً حازماً، حتى أعلنالخنيزي توبته وكتبها، وإليكنص القرار الذي اتخذه الشيخ ابن إبراهيم :
((من محمد بن إبراهيم إلى المكرممدير شرطة الرياضسلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبالإشارة إلى المعاملة الواردة منكم برقم 944 وتأريخ 10/11/1381 المتعلقة بمحاكمة عبدالله الخنيزي، فإنه جرى الاطلاع علىالمعاملة الأساسية ووجدنا بها الصك الصادر من القضاة الثلاثة المقتضيإدانته، والمتضمن تقريرهم عليه، يعزر بأمور أربعة:
(أولاً) : مصادرة نسخ الكتاب وإحراقها، كما صرّح العلماء بذلك في حكم كتب المبتدعة.
(ثانياً) : تعزير جامع الكتاببسجنه سنة كاملة، وضربه كل شهرين عشرين جلدة في السوقمدّة السنة المشار إليها بحضور مندوب من هيئة الأمر بالمعروفمع مندوبالإمارة والمحكمة.
(ثالثاً) : استتابته؛ فإذا تاب وأعلن توبته وكتب كتابة ضد ما كتبه في كتابه المذكورونشرت في الصحف وتمت مدّة سجنه خلي سبيله بعد ذلك، ولا يطلق سراحه وإن تمتمدّة سجنهما لم يقم بما ذكرنا في هذه المادة.
(رابعاً) : فصله من عمله، وعدم توظيفه في جميع الوظائف الحكومية، لأن هذا من التعزير.
هذا ما يتعلق بالتعزير الذيقررته اللجنة، وبعد استكماله يبقى موضوع التوبة يجرى فيه ما يلزم إن شاء الله. والسلام عليكم))([41]).
فلله دره ما أشده على أهل البدع والمخالفين للسنن، وهذهكانت سيرته معهم، وهم كانوا على خوف شديدمنه كما أخبرنا بذلك من عاصره،وكم من أهل البدع في عصرنا ممن يحتاجون أن يتخذمعهم مثل هذا القرار،والله المستعان.
وإنصافاً لعبدالله الخنيزي فإنه قد تاب مما خطته يداه في كتابه المذكور وأعلن توبته وكتبها، وهي مدونة بعد القرارالمذكور.
ومن أقوال أهل العلم -أيضاً- في طريقة معاملة كتب أهل البدع، ما قاله العلامة الشيخ محمد بنصالح العثيمين - رحمه الله - :
((ومن هجران أهل البدع ترك النظرفي كتبهم خوفاً من الفتنة بها، أو ترويجها بين الناس، فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الدجّال : ((من سمعبه فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنّه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات))رواه أبوداود)[42])، وقال الألباني: وإسناده صحيح.
لكن إذا كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للردعليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده منالعقيدة الصحيحة ما يتحصن به، وكانقادراً على الردعليهم، بل ربما كان واجباً؛ لأن رد البدعة واجب، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب))([43]).
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله -: ما هو القول الحق فيقراءة كتب المبتدعة، وسماع أشرطتهم؟
فأجاب: ((لا يجوزقراءة كتب المبتدعة ولا سماع أشرطتهم إلا لمن يريد أن يرد عليهم ويبين ضلالهم)) ([44])
فهكذاكان أهل السنة يعاملون أهل البدع ومؤلفاتهم، فقف حيث وقفوا فإنه يسعك ما وسعهم.
ومن لميسعه ما وسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووسع السلف والأئمة بعده فلا وسّع الله عليه، ومن لم يكتف بما اكتفوا بهويرضى بما رضوا به ويسلك سبيلهم؛ فهو من حزب الشيطان و{ إنما يدعوا حزبهليكونوامن أصحاب السعير }.
ومنلم يرض الصراط المستقيم سلك إلى صراط الجحيم، ومن سلك غير طريق سلفه أفضتبه إلى تلفه،ومن مال عن السنّة فقد انحرف عن طـريق الجنّة.
فاتقـواالله تعـالى وخافوا على أنفسكم، فإن الأمر صعب،وما بعــد الجنّــة إلا النـار وما بعـدالحـق إلا الضلال، ولا بعدالسنّة إلا البدعة)[45](.
مع العلم أن السلف كانوا يفرقون بين أهل البدع الدعاة إلىبدعهم وغير الدعاة، فألجأتهمالضرورة للاستفادة من هؤلاء لدينهم وصدقهموأمانتهم وعدم دعوتهم إلى ما وقعوا فيهمن البدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
((وسببالفرق بين أهل العلم وأهل الأهواءومع وجود الاختلاف في قول كل منهما -:
أنّ العالم قد فعل ما أمر به من حسنالقصد والاجتهاد،وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله، وإن لم يكنمطابقاً، لكناعتقاداً ليس بيقيني، كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل، وإنكانا في الباطن قد أخطآ أو كذبا، وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدلالضابط، أو باتباع الظاهر، فيعتقد ما يدل عليه ذلك، وإن لم يكنذلكالاعتقاد مطابقاً.
فالاعتقادالمطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد، وإن كان قد يكون غيرمطابق، وإن لم يكونوامأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط.
فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين،مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة: عذر بمالميعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا.
بخلاف أصحاب الأهواء، فإنهم إن يتبعونإلا الظن وماتهوى الأنفس، ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزماً لا يقبل النقيض،مععدم العلم بجزمه، فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده لا باطناً ولا ظاهراً،ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده، ويجتهدون اجتهاداً لم يؤمروا به، فلم يصدرعنهم من الاجتهادوالقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه، فكانوا ظالمين،شبيهاً بالمغضوب عليهم، أوجاهلين، شبيها بالضالين.
فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق، وقد سـلكطريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحقويعاند عنه))([46]).
ولذلككان أهل العلم يفرقون حتى في الرواية بين الدعاة إلى البدع وبين غـيرالدعاة فهذه المسألة قداختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنع مطلقاً، وهو قول ابن سيرين ومالك وابن عيينة والحميدي ويونس بن أبي إسحاق وعلي بن حرب وغيرهم.
ولهؤلاء مأخذان:
أحدهما: تكفير أهل الأهواء أو تفسيقهم وفيه خلاف مشهور.
والثاني: الإهـانة لهم والهجران والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو تفسيقهم.
القولالثاني: تجوز الرواية عنهم إذا لم يتهموا بالكذب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ويحيى بن سعيد وعليبن المديني.
القـولالثالث: وهو التفريق بين الداعية وغيره فمنعوا الرواية عـن الداعية إلى البدعة دون غيره.
وهذا هو الأظهر الأعدل وهو قول الأكثر، كابن المباركوابن مهدي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ورويعن مالك وهو اختيار شيخالإسلام ابن تيمية والحافظ ابـن حجر.
ولكنهمقيدوا قبول غير الداعية بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته )[47]).
ومن ذلك ظهر بطلان قول من يساوي بين ابن أبي عروبة وقتادة وغيرهمارحمهما الله -، وبين سيد قطب أو حسن البنا أو الغزاليالمعاصر وغيرهم من أهل البـدع الذين هم على شاكلة هـؤلاء.
ذكرت هذا الكلام ليبين الفرق بين دعاة المنهج السلفي الحقوبين فئة انتمت إلى هذا المنهج ظاهراًواتخذت من بعض من وقع في شيء منالبدع كابن حجر والنووي منطلقاً إلى الطعن في أهلالسنّة من مثل ابن أبيالعز الذي طعنوا في كتابه شرح الطحاوية، وتشددهم على الشوكاني وأمثاله ممنرفع رايةالتوحيد والسنّة ووقعوا في بعض الأخطاء .
نسـأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتّباعه، ويرينا الباطل باطلاًويرزقنا اجتنابه. والله تعالى أعلم.([1]) وقد عرفناكثيراً من أهل السنّة الذين كانوا على المنهج السلفي لكنهمانهمكوا في قراءة كتب أهل البدع والضلالاتبحجة أنها لا تخلو من الحق ،فضاعوا وضلوا وأصبحـوامن خصوم الدعوة السلفيّة وأهلها والمحذرين منهم ومنكتبهم، نسأل الله السلامةوالعافية والثبات على السنة .
([2]) الدرر السنيّة ( 3/211 ).
([3]) أخرجهالإمـام أحمـد ( 3/387 ) ، والدارمي ( 1/115) ،وهو حديث حسن، انظر الإرواء ( 6/338-340 ).
([4]) الاستقامةلشيخ الإسلام ابن تيمية ( 1/108 ) .
([5]) (242-231/1)
([6]) كانالصوفية في وقته على طريقة السلف ، وتصوفهم كانالزهد والعبادةوالورع ، وهذا واضح في عقيدته التي أوردها صاحب كتاب الحجة في بيان المحجة، ولو كان على غير هذا لما كان له أي قيمة عند أهل السنّة .
([7]) العلل ومعرفة الرجال ( 1/253-254 ) .
([8]) السنّةللخلال ( 3/511).
(9 ( المعرفةوالتاريخ للفسوي ( 3/494) .
([10]) هدايةالأريب الأمجد لسليمان بن حمدان ( ص : 38 ) .
([11]) السير (11/231).
([12]) السنّة ( 3/511 ).
([13]) جامع بيانالعلم ( 2/942 ) .
([14]) شرح أصولاعتقاد أهل السنّة للالكائي ( 1/197-202 ) .
([15]) أي أهلالبدع والأهواء كتمثيله بكتب الكرابيسي.
([16]) شرح أصولاعتقاد أهل السنة للالكائي ( 1/180 ) .
([17]) الميزان ( 1/61 ) .
([18]) (ص : 231-234 ).
([19]) كتابالضعفـاء لأبي زرعـة ،ضمـن كتـاب ( أبو زرعةالرازي وجهوده في السنة النبوية ) ( 2 / 561-562 ) .
([20]) ميزانالاعتدال ( 1/431 ) .
([21]) منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف(ص:135-136)
([22]) وانظر فيبيان ضلالاته وبدعه مؤلفات الشيخ ربيع بن هادي المدخلي _حفظهالله، ككتابأضواء إسلامية ، ومطاعن سيد قطب في أصحاب رسولالله،والعواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم ، والحد الفاصل ،ونظرات في كتابالتصوير الفني، ونظرة سيد قطب إلى أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فجزاه الله تعالى خير الجزاء .
([23]) ( ص : 242 ) .
([24]) من شريطبعنوان ( رياض الصالحين ) .
([25]) لمعةالاعتقاد ( ص : 33 ) .
([26]) تحريمالنظر في كتب الكلام ( ص : 41 ) .
([27]) (232/1).
([28]) الفتاوى ( 15/336 ) .
([29]) نونية ابنالقيم ( ص : 180 ) .
([30]) (361-360/1) .
([31]) سير أعلامالنبلاء ( 19 / 328-329 ) .
([32]) الدرر السنية ( 3/209-210 ).
([33]) قطف الثمرفي عقيدة أهل الأثر ( ص : 157 ) .
([34]) الطرقالحكميّة ( ص : 233-235 ) .
([35]) زادالمعاد ( 3 / 581 ) .
([36]) (176-177/2).
([37]) العقدالثمين ( 2/ 180-181 ) .
([38]) الجواهروالدرر ( 2/637-638 ) .
([39]) انظرالمعيار المعرب (12/185).
([40]) مجموعةالرسائل والمسائل النجدية ( 3 / 130-131 ) .
([41]) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (12/187-189).
([42]) سيأتي تخريجه .
([43]) مجموعفتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ( 5/89 ) .
([44]) الأجوبةالمفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة ( ص : 70 ) .
([45]) مأخوذ منكلام سهـل التستري ، انظر تحريم النظر لابن قـدامة ( ص:70-71 ) .
([46]) القواعدالنورانية ( ص : 151-152 ) .([47]) وانظرتفصيل هذه المسألة في ،نزهة النظر لابن حجر (ص:136)،وتدريب الراوي (1/275)،وشرح علل الترمذي (1/53)،ومنهـاج السنة(3/60-62)،وغيرها .
رد مع اقتباس