درر سلفية في الورع
قال الإمام ابن القيم رحمهُ اللهُ في " المدارج " :
والمقصود أن الورع يطهر دنس القلب ونجاسته ، كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته ...
وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" فضل العلم خير من فضل العبادة ، وخير دينكم الورع " رواه الطبرانى وحسنه المنذرى ، وصححه الألبانى لغيره
ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عقبة بن الحارث النوفلي
قال: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر، فلما سلم قام سريعا، دخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى ما في وجوهالقوم من تعجبهم لسرعته، فقال: ذكرت وأنا فـي الصلاة تِبْرا عندنا فكرهت أنيمسى أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمتهومن ذلكما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرةقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إني لأنقلبُ إلى أهْلي، فأجدُ التمرةَ ساقطةً على فراشِي، فأرفعُهالآكلَها، ثمّ أخشَى أن تكون صدقةً! فأُلقيها)
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ تَحْتَ جَنْبِهِ تَمْرَةًمِنَ اللَّيْلِ، فَأَكَلَهَا، فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ،فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، [أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ] قَالَ:
"إِنِّى وَجَدْتُ تَحْتَ جَنْبِى تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا، وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْهُ.مسند الإمام أحمد
عن معاوية بن قرة قال:
كان لأبى الدرداء جمل يقال له دمون فكان إذا استعاروهمنه قال لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا فإنه لا يطيق أكثر من ذلك فلما حضرته الوفاة قال يا دمون لا تخاصمنى غدا عند ربى فإنى لم أكن أحمل عليك إلا ماتطيق
(ابن عساكر) [كنز العمال 25638]
قيل للفضيل رحمه الله:
ما الزهد؟ قال: القنوع. قيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم.قيل: ما العبادة؟ قال:أداء الفرائض.
قيل: ما التواضع؟ قال:أن تخضع للحق
وقال:أشد الورع في اللسان.
عقب الذهبي رحمه الله:
هكذا هو، فقد ترى الرجل ورعا في مأكله وملبسه ومعاملته، وإذا تحدث يدخل عليه الداخل من حديثه،فإما أن يتحرى الصدق، فلا يكمل الصدق، وإما أن يصدق فينمق حديثه ليُمدح على الفصاحة، وإما أن يظهر أحسن ما عنده ليُعظّم، وإما أن يسكت في موضع الكلام ليُثنى عليه.
ودواء ذلك كلها لانقطاع عن الناس إلا من جماعة.
السير(8/434).
قَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ :
مَا وَجَدْت شَيْئًا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ الْوَرَعِ.
قِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ ؟
قَالَ : إذَا ارْتَبْتَ بِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ .
وَالدَّاعِي إلَى هَذِهِ الْحَالِ شَيْئَانِ : الِاسْتِرْسَالُ ، وَحُسْنُ الظَّنِّ .
وَالْمَانِعُ مِنْهُمَا شَيْئَانِ : الْحَيَاءُ ، وَالْحَذَرُ .
وَرُبَّمَا انْتَفَتْ الرِّيبَةُ بِحُسْنِ الثِّقَةِ وَارْتَفَعَتْ التُّهْمَةُ بِطُولِ الْخِبْرَةِ.
أدب الدنيا والدين
قال ابن القيم رحمه الله:
يا مغرور بالأماني !
لعن إبليس وأهبط من منزل العز بترك سجدةواحدة أمر بها
وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها
وحجب القاتل بعد أن رآها عيانا بملء كف من آدم
وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل
وأمر بإيساع الظهر سياطا بكلمة قذف أو بقطرة من مسكر
وأبان عضوا من أعضائك بثلاثة دراهم (قطع يد السارق إذا سرق ما مقداره ثلاثة دراهم)
فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من
معاصيك!:{ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}
الفوائد (2/85) ط دار الكتب العلمية
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة
فقال:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"
فهذا يعم الترك لما لا يعني: من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر
وسائر الحركات الظاهرة والباطنة فهذه الكلمة كافية شافية في الورع
مدارج السالكين
قال يحيى بن معاذ :
"الورع على وجهين ورع فى الظاهر وورع فى الباطن فورع الظاهر: أن لا يتحرك إلا لله وورع الباطن: هو أن لا يدخل قلبك سواه" وقال: "من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء"
مدارج السالكين
عَنِ الأَعْمَشِ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، قَالَ :
مَرَّ جَابِرٌ عَلَى عُمَرَ بِلَحْمٍقَدَ اشْتَرَاهُ بِدِرْهَمٍ ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا هَذَا ؟قَالَ : اشْتَرَيْتُهُ بِدِرْهَمٍ ، قَالَ : أَكُلَّمَا اشْتَهَيْتَ شَيْئًا اشْتَرَيْتَهُ ؟ لاَ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الآيَةِ : {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمَ الدُّنْيَا}.
مُصنف ابن أبي شيبة
عن عائشة- رضي اللّه عنها- قالت:كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهّنت لإنسان في الجاهليّة، وما أحسن الكهانة إلّا أنّي خدعته، فأعطاني بذلك، فهذا الّذي أكلت منه. فأدخل أبوبكر يده فقاء كلّ شيء في بطنهالبخاري الفتح 7 (3842)
عن ثعلبة بن أبي مالك- رضي اللّه عنه- قال:إنّ عمر بن الخطّاب- رضي اللّه عنه- قسم مروطا بين نساء من نساء أهل المدينة فبقي منها مرط جيّد، فقال له بعض من عنده: ياأمير المؤمنين! أعط هذا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الّتي عندك- يريدون أمّ كلثوم بنت عليّ- فقال عمر: أمّ سليط أحقّ به (وأمّ سليط من نساءالأنصار ممّن بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم). قال عمر:
فإنّها كانت تزفر - تحمل- لنا القرب يوم أحدالبخاري الفتح 7 (4071)
عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أنّه قال:
قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «اشترىرجل من رجل عقارا له، فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة فيه اذهب. فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي، إنّما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذّهب. وقال الّذي له الأرض: إنّما بعتك الأرض وما فيها،فتحاكما إلى رجل، فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال:
أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال:
أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا على أنفسهما منه، وتصدّقا
صحيح مسلم (1721)
عن نافع مولى ابن عمر:
أنّ ابن عمر سمع صوت زمّارة راع، فوضع أصبعيه في أذنيه، وعدل راحلته عن الطّريق وهو يقول: يا نافع، أتسمع؟
فأقول: نعم، فيمضي، حتّى قلت: لا،فوضع يديه وأعاد راحلتة إلى الطّريق، وقال: رأيت رسول اللّه صلّى اللّهعليه وسلّم وسمع صوت زمّارة راع فصنع مثل هذا
مسند أحمد (2/ 8)
عن أبي قتادة - رضي اللّه عنه- أنه قال :
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنابالقاحة فمنا المحرم ومنا غير المحرم إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش فأسرجت فرسي وأخذت رمحي ثم ركبت فسقط مني سوطي فقلت لأصحابي وكانوا محرمين ناولوني السوط فقالوا والله لا نعينك عليه بشيءفنزلت فتناولته ثم ركبت فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة فطعنته برمحي فعقرته فأتيت به أصحابي فقال بعضهم كلوه وقال بعضهم لا تأكلوه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته فقال هو حلال فكلوه
صحيح مسلم
عن نافع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما :
كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة ،وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أبواه لأنه كان صغيراً،
ليس هو كمن هاجر بنفسه.
[رواه البخاري].
قال الفضيل - رحمه الله -:
ما أجد لذة ولا راحة ولا قرة عين إلا حين أخلو في بيتي بربي، فإذا سمعت النداء قلتُ: إنا لله وإنا إليه راجعون! كراهية أن ألقى الناس فيشغلوني عن ربي تبارك وتعالى.
زهد البيهقي ص100
روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:
أنه أتي بزيت من الشام وكان الزيت في الجفان -يعني في القصاع- وعمر يقسمه بين الناس بالأقداح، وعنده ابن لهشعرات، فكلما أفرعت جفنه مسح بقيتها برأسه،
فقال له عمر رضي الله عنه : أرى شعرك شديد الرغبة على زيت المسلمين، ثم أخذ بيده، فانطلق إلى الحجَّام ، فحلق شعره وقال: هذا أهون عليك.
[تنبيه الغافلين] (ص 245)
روي أن «عمر بن عبد العزيز» - رحمه الله -:
كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة ،
وقال لما استبعد ذلك منه : «وهل ينتفع منه إلا بريحه»؟
«موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين» (ص121)
دخل أبو إسحاق الشيرازي
يوماً المسجد ليأكل فيه شيئاً على عادته, فنسي ديناراً فذكر في الطريق,
فرجع فوجده. فتركه ولم يمسَّه وقال: ربما وقع من غيري ولا يكون ديناري
تزكية النفوس، ص 20
قال أنس - رضي الله عنه -:
كان بين كتفي عمر -رضي الله عنه - أربع رقاع وإزاره مرقوع بأدم,
وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة !
[البداية والنهاية] (7/ 148)
قال حماد بن زيد:
كنت مع أبي, فأخذت من حائط تَبْنَةً, فقال لي: لم أخذت؟ قلت: إنما هي تبنة!!
قال: لو أن الناس أخذوا منه تبنة هل كان يبقى في الحائط تِبْنٌ ؟!
الورع لعبد الله بن حنبل (ص 140)
قال قتادة:
كان معيقيب على بيت مال عمر فكنس بيت المال يوماً فوجد فيه درهماً , فدفعه إلى ابن لعمر,
قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي, فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني, فجئت فإذا الدرهم في يده
فقال لي: ويحك يا معيقيب! أَوَجَدت عليَّ في نفسك شيئاً؟! قال: قلت: ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: أردت أن تخاصمني أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الدرهم
الورع لابن أبي الدنيا، ص 126.
قال طوق بن وهب :-رحمه الله-
دخلت على محمد بن سيرين وقد اشتكيت.
فقال: كأني أراك شاكياً.
قلت: أجل.
قال: اذهب إلى فلان الطبيب فاستوصفه،
ثم قال: اذهب إلى فلان فإنه أطب منه.
ثم قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته!
صفة الصفوة
قال عبد الله بن عمر –رضي الله عنه-:
لو وضعت أصبعي في خمر ما أحببت أن تتبعني.
حلية الأولياء (1/307)
روى ابن أبي الدنيا في (كتاب الورع) عن بعض أهل العلم :
أن امرأةأتاها نعي زوجها والسراج يتقد ، فأطفأت السراج ، وقالت هذا زيت قد صار لنا فيه شريك
كانت تحت معاذ بن جبل –رضي الله عنه- امرأتان:
فإذا كان عند إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء !
حلية الأولياء (1/234)
كتب غلامُ حسان بن أبي سنان إليه من الأهواز :
أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر السكر فيما قبلك، قال: فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا قليل، فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين ألفا، قال: فأتى صاحب السكر فقال: يا هذا، إن غلامي كتب إلي ولم أعلمك، فأقلني فيما اشتريته منك،
قال الآخر: قد أعلمتني الآن، وطيبته لك،
قال: فرجع ولم يحتمل قلبه. فأتاه وقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه، فأحب أن تسترد هذا البيع، قال: فما زال به حتى رده عليه "
حلية الأولياء (3/118)