تقريظ الشيخ العلامة مبارك الميلي رحمه الله لكتاب (المتوسط الكافي، في علمي العروض والقوافي)
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ في الجزائر خاصّةً وفي الشمال الإفريقي عامّة ثروة فكرية لو وجدتْ جوّا صافيا من الحريّة، وإنَّ في بنيها فطرية لو كان لها سندٌ من المعارفِ الكسبية، وإنَّ في نفوس ذويها لوثباتٍ في صالح العملِ لولا عراقيلُ تُطفئُ نورَ الأمل.
على أنَّ هناك من أبناء هذا الإقليم شواذّ خرجُوا عن طبائع الاستعباد ولم يقفوا في معارفهم على ما وُجدَ من ثمادٍ، ولم يضعف إيمانهم أمام أنواع العراقيل فكانوا مثالا صالحا، وقدوة حسنة، وحجة ناهضة للمتفائلين والظانين بالطينة المغربية خيراً.
ومن أولئك الشواذ الشاب الأديب الفاضل موسى بن محمد بن الملياني الأحمدي المعلم ببرج بوعريريج، وواضع كتاب ((المتوسط الكافي، في علمي العروض والقوافي)).
ذلكم الكتابُ الجامعُ بينَ قواعد العغلم وأفانين الأدب وطابع التجديد في العرض. وهو جمعٌ ينمُّ عن جدٍّ في البحث وجودة في اختيار النقل، وعناية بالقارئ. فهو كتابُ تعليم وتأديب وتربية خلقٍ.
اشترط مؤلفنا في ديباجه كتابه شروطا وقد أدَّاها أحسن تأدية، ووفى بوعده أيَّ توفية في حين أنَّ كتَّابَ هذا العصر أغلبهم لا يُراعي في كتابه ما قطعه على نفسه في طالعته. وذلك آيةُ معرفته بالحسن وكسله عن كسبه.
وقد كتب عن أمثال ذلكم الرهط الكثير في الكتاب السيدُ المنفلوطي كلمته ((خداع العناوين)).
ولكي يكون رأينا في الكتاب خالصا من الهوى-ولا سبب هنا للهوى-أجدني مضطرا لابداء عيب فيه لا ينقصُ رأينا في الإعجاب به..ذلكم العيبُ هو إغفال الأدب الفاسي و الجزائري والتونسي في شواهد الكتاب (1) وما ذكُكرَ فيه من أدب تونسيّ فهو قليل وقاصر على أديب واحد. وإلى هذا الإغفال أهمل كتُب العروض والأدب الموضوعة بأقلام مغربنا عند ذكر مصادر الكتاب. والزهد في الإنتاج المغربي عيبٌ قديمٌ في أدبائنا. فهذا صاحب العقد الفريد ملأهُ من الأدب المشرقيّ حتى قال الصاحبُ بنُ عباد لما اطلع عليه-وكان ينتظر أدبا مغربيا-مقتبسا: ((هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا)). وهذا الحصري في كتاب زهر الآداب لا يكادُ يذكرُ فيه أدبا مغربياً.
وقدم هذا العيب في كتابنا إن وجد فيه كاتبًنا تأسيا لا نراه شفيعا مقبولا.
واللائق بنا أن نحرر أنفسنا من تراث ينسى أنفسنا ويشل نشاط العاملين منّا، ويزهد أعقابنا فينا.
وختاما أرجو لكاتبنا مستقبلا عامرا بالباقيات الصالحات، وأنْ يكون عمله هذا حافزا لنفوس شبابنا المثقف على العمل المفيد. والسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.
وكتبه مبارك بن محمد الميلي يوم الأربعاء3/10/1363هـ
|