نعم أخي اليُونسي ـ عوداً إلى ما سألتم ـ :
أولاً : فيما يتعلق بالفرق بين التشبيه والتمثيل والتجسيم والتكييف
ـ لغة واصطلاحاً ـ
التشبيه : هو إثبات الشبه للشيء
واصطلاحاً : هو جعل لله شبهاً من خلقه
والتمثيل : ذكر مماثل للشيء
والفرق بين التشبيه والتمثيل هو أن التمثيل أعم من التشبيه لأنه يقتضي المماثلة من كل وجه ، بخلاف التشبيه ؛ فهو لا يقتضيها إلا من بعض الوجوه .
والتجسيم : هو أن تجعل للشيء حدوداً وغايات
واصطلاحاً : هو أن تجعل لله جسماً بحد وغاية مثل أجسام المخلوقين
والتكييف : أن تسأل عن الشيء بكيف ؟
تقول : كيف ضرب زيداً ؟ فيقال : قاعداً .
فيكون ذلك تكييف للضرب
واصطلاحاً : هو أن تذكر كيفية الصفة وتحْكيْها
كقول القائل : يدُ الله كيدي ، وسمع الله كسمعي ....إلخ
وهنا تنبيهان مهمّان :
التنبيه الأول : إطلاق لفظ : (التمثيل ) أولى من إطلاق لفظ :
( التشبيه ) لأمور ثلاث :
الأمر الأول : أن لفظ التمثيل هو الذي جاء به القرآن والسنة
فجاءت النصوص بنفي التمثيل لا نفي التشبيه .
الأمر الثاني : أن نفي التشبيه فيه إجمال ، فقد يراد نفي الشبه من كل وجه ، وهذا غلط وهو تعطيل ، لأنه ما من شيئين موجودين إلاّ وبينهما تشابه في بعض الوجوه ، واشتراك في بعض المعاني
وقد يراد به نفي الشبه في كل الصفات وهذا حق .
الأمر الثالث : أن نفي التشبيه صار عند كثير من الناس بمعنى نفي الصفات مطلقاً ، فهم يريدون من قولهم : ( من غير شبه ) أي : من غير إثبات الصفات .
التنبيه الثاني : لفظ : ( الجسم ) لا يطلق على الله لا نفياً ولا إثباتاً
يقول شيخ الإسلام رحمه الله : ("فمن قال أنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قوله باطل وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل" أن الله ليس كمثله شيء في شيء من صفاته، فمن أثبت لله مثلاً في شيء من صفاته فهو مبطل, ومن قال أنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل ومن قال أنه ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى في الآخرة ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ولا يقوم به العلم والقدرة وغيرهما من الصفات ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم إليه ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه فهذا قوله باطل وكذلك كل من نفى ما أثبته الله ورسوله وقال إن هذا تجسيم فنفيه باطل وتسمية ذلك تجسيماً تلبيس منه فله إن أراد أن هذا في اللغة يسمى جسماً فقد أبطل وإن أراد أن هذا يقتضي أن يكون جسماً مركباً من الجواهر الفريدة أو من المادة والصورة أو إن هذا يقتضي أن يكون جسماً والأجسام متماثلة, قيل له, أكثر العقلاء يخالفونك في تماثل الأجسام المخلوقة وفي أنها مركبة فلا يقولون أن الهواء مثل الماء ولا أن الحيوان مثل الحديد والجبال فكيف يوافقونك على أن الرب تعالى يكون مماثلاً لخلقه إذا أثبتوا له ما أثبت له الكتاب والسنة والله تعالى قد نفى المماثلات في بعض المخلوقات وكلاهما جسم كقوله تعالى {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]. مع أن كلاهما بشر فكيف يجوز أن يقال إذا كان لرب السماوات علم وقدرة أن يكون مماثلاً لخلقه والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ) .
فلفظ التجسيم عند السلف هو من الألفاظ التي يجب التحرز منها عند إطلاقها على الله تعالى ولا بد أن نسأل من أطلقها عن مراده بالجسم فإن أراد بإطلاق الجسم على الله معناه في لغة العرب من أنه يوصف بصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب وأنه مستو وأنه تصح الإشارة إليه ويصح أن يسأل عنه بأين وأن له وجهاً ويدين فإطلاق الجسم بهذا المعنى صواب مع أن القائل مخطئ في إطلاق هذه العبارة التي أحدثها علماء الكلام وليكتف بالألفاظ الشرعية مثل ليس كمثله شيء وله المثل الأعلى وقل هو الله أحد وغير ذلك.
وإن أراد بإطلاقه نفي الجسم عن الله تعالى أنه ليس جسماً مثل سائر الأجسام التي تتكون من أجزاء متفرقة فهو صواب فإن الله تعالى ليس كمثله شيء ومع تصويبه فإنه مخطئ في إطلاق هذه العبارة التي أحدثها علماء الكلام فإنه لم يعهد عن السلف أن أطلقوا لفظ الجسم على الله لا نفياً ولا إثباتاً فإن كان ولا بد من إطلاقها فلتكن بالألفاظ الشرعية التي تدل على تنزيه الله تعالى على الإطلاق مثل ليس كمثله شيء وقل هو الله أحد وله المثل الأعلى وغير ذلك من الألفاظ العامة المشتملة على التنزيه الصحيح كما تقدم وأما إن أريد بهذا الإطلاق نفي الجسمية عن الله تعالى بمعنى نفي صفاته الثابتة بالكتاب والسنة كالاستواء والنزول والوجه والسمع والبصر إلى آخر صفاته عزّ وجلّ – وهو ما يهدف إليه علماء الكلام فهذا النفي باطل بهذا المعنى لأن إثبات هذه الصفات لا يلزم منه وقوع التشبيه الذي حذره هؤلاء المبطلون بزعمهم فإن تصور إثبات الصفات أنه يقتضي التشبيه هو نفس التشبيه المذموم فإن النافي للصفات لم ينفها إلا بعد أن أصبح مشبهاً فيها فوقع في الخطأ الذي جره إلى خطأ أكبر منه وهو إثبات ذات خالية عن الصفات وهو أمر لا يمكن وقوعه إلا في تخيلات الذهن وهي تخيلات فاسدة وأما في خارج الذهن فلا يمكن وجودها.
أما الفرق بين : التعطيل والتأويل والتحريف هو أن :
التعطيل : هو الترك والتخلية ، ومنه قوله تعالى : { وبئر معطلة } أي : مخلاة متروكة .
واصطلاحاً : هو إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات وهو نوعان : جزئي وكلي
فالجزئي : كتعطيل المعتزلة و الأشاعرة ، فالمعتزلة يثبتون الأسماء وينفون الصفات ، والأشاعرة يثبتون الأسماء وينكرون الصفات إلاّ الصفات السبعة
والكلي : هو إنكار جميع الأسماء والصفات كتعطيل غلاة الجهمية
والتأويل : له ثلاث معان :
الأول : بمعنى التفسير ، والثاني بمعنى حقيقة ما يؤول إليه الكلام ، والثالث صرف اللفظ الظاهر من غير دليل وهذا ما يسمى حقيقة
( لعباً وتحريفاً ) أما كان صرف ظاهر اللفظ بدليل فهذا يسمى
( تأويلاً )
واستخدام كلمة التحريف بدل التأويل هو الأولى وذلك لوجوه :
الوجه الأول : أنه هو اللفظ الذي جاء به القرآن قال تعالى :
{يُحرّفون الكلم عن مواضعه } ، والتعبير الذي عبر به القرآن أولى من غيره ، لأنه أدل على المعنى .
الوجه الثاني : أنه أدل على الحال ، وأقرب إلى العدل ، فالمؤول بغير دليل يكون محرفاً .
الوجه الثالث : أن التأويل بغير دليل باطل يجب البعد عنه والتنفير منه واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيراً من التأويل ، لأن التحريف لا يقبله أحد ، لكن التأويل لين تقبله النفس وتستفصل عن معناه .
الوجه الرابع : أن التحريف كله مذموم بخلاف التأويل فإن منه ما يكون محموداً ومذموماً .
والتحريف : هو التغيير
واصطلاحاً : هو تغيير معنى الصفات وصرفها عن المعنى المتبادر من غير دليل
وقد يكون في اللفظ ، وقد يكون في المعنى وهذا الأخير هو الذي وقع فيه كثير من الناس
وهناك فرق بين التأويل والتحريف
فالتأويل : ليس كله مذموم بل فيه المذموم وفيه الممدوح
وأما التحريف لا يكون إلا مذموماً
وكذلك التحريف يكون في الدليل وقد يكون في المدلول
أما التعطيل لا يكون إلاّ في المدلول
وكذلك التعطيل أعم من التحريف فكل معطل محرف وليس كل محرف معطل
وأما أقسام التفويض المذموم باعتبار ما يُفوّض فهو على قسمين :
قال شيخ الإسلام : (وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء.
ثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم. ولا يعرف أحد من الأنبياء, والملائكة, والصحابة, والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
ومنهم من يقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله. فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلاً يخالف ظاهرها، وقالوا – مع هذا – إنها تحمل على ظاهرها. وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى في كتاب (ذم التأويل) )
وكلا اللونين تفويض للعلم بالمعنى، والفرق بينهما أن الأولين يعتقدون بأن ظواهر النصوص مقتضية للتشبيه، فيبادرون بنفيها، ويحيلون على معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. والآخرين يعتقدون بأن الظواهر لا تقتضي التشبيه، ويحكمون بوجوب إجرائها على ظواهرها، لكن دون أن يبينوا المعنى الواجب فهمه من تلك الظواهر، بل يحيلون إلى معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. وهذا وجه تناقضهم.
وأما علاقة المفوضة بالنفاة : هو أن المفوضة يفوضون معاني صفات الله ويكلون علمها إلى الله وهذا منهم نفي للمعنى وهم بذلك يشابهون النفاة الذين ينفون عن الله ما وصف به نفسه سواء كان ذلك في الصفات الذاتية أو الفعلية .
وأما جواب الموفوضة على من يسألهم قائلاً :
من يعلم حقيقة ما فوضتموه ، ومنتهى ما نفيتموه ؟
هو أنه ـ كما يقولون ـ : لا يعلم ذلك أحد ، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب وإنما الذي يعلم ذلك هو الله وحده ؟!!
*************
والله أعلم
لعلي أجبت على استفسارك أخي اليونسي
والحمد لله أولاً وآخراً