بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثالثة
- وجاء في مفاتيح الغيب للرازي (11) (سنة الوفاة 604):" وقرأ ابن عامر وحده :{كَانوا هم أشد منكم} بالكاف والباقون بالهاء أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب كقوله :{إياك نعبد وإياك نستعين} بعد قوله :{الحمدلله} والوجه في حسن هذا الخطاب أنه في شأن أهل مكة فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم وهذه الآية في المعنى كقوله :{قَرن مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم} وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة....، وما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب الكشاف : المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح. ، الثاني : قال أبو علي الجبائي (12): إن مخاطبته تعالى لعباده هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام فهي بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام المخاطب حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب الثالث وهو الذي خطر بالبال في الحال أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة يدل على المقت والتبعيد ؛ أما الأول فكما في سورة الفاتحة فإن قوله : {الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } : كله مقام الغيبة ثم انتقل منها إلى قوله : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور وهو يوجب علو الدرجة وكمال القرب من خدمة رب العالمين ؛ وأما الثاني فكما في هذه الآية لأن قوله : {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ} : خطاب الحضور وقوله : {وَجَرَيْنَ بِهِم} : مقام الغيبة فههنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد وهو اللائق بحال هؤلاء ؛ لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران كان اللائق به ما ذكرناه.".
- وجاء في المثل السائر لابن الأثير الموصلي (13) (سنة الوفاة 637هـ):" فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى في سورة الفاتحة :{ الحمد لله رب العالمين ؛الرحمن الرحيم ؛مالك يوم الدين ؛إياك نعبد وإياك نستعين ؛اهدنا الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعمت عليهم } هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب وبما يختص به هذا الكلام من الفوائد قوله :{ إياك نعبد وإياك نستعين } بعد قوله :{ الحمد لله رب العالمين } فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأن الحمد دون العبادة ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر فقال :{ الحمد لله } ولم يقل (الحمد لك) ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال :{ إياك نعبد } فخاطب بالعبادة إصراحاً بها و تقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال :{ صراط الذين أنعمت عليهم } فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة ثم قال :{غير المغضوب عليهم } عطفاً على الأول لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا .... وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلة بعينها وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا لأن مخاطبة الرب تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.".
- وجاء في نصرة الثائر للصفدي (14) (696-764 هـ/1296- 1363 م) :" (الالتفات في بعض الآيات) : قال في الالتفات وقد ذكر قوله تعالى :{ثم استوى إلى السماء وهي دخان} الآية؛ : (إنما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى :{وزينا السماء الدنيا} لأن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا؛ وأنها ليست حفظا ولا رجوما ؛ فلما صار الكلام إلى هنا عدل عن خطاب الغائب إلى خطاب نفسه لأنه مهم من مهمات البلاغة في الاعتقاد وفيه تكذيب الفرقة المكذبة المعتقدين بطلانه.) ، أقول: إن اعتقادهم أنها ليست في سماء الدنيا وليست رجوما؛ نوع على اعتقاد قدم العالم؛ وأن الله تعالى موجب بالذات دون حدوث العالم والفاعل المختار؛ وعلى ما قرره فإضافة الفعل في خلق السماوات في يومين ووحي أمرها فيها إلى المتكلم يكون أولى من أن تكون إخبارا عن غيره لأنه الأصل والعناية بالأصل أولى من العناية بالفرع لأنه إذا ثبت الأصل ثبت الفرع ولا ينعكس ولو كان هذا أولى لما عدل عنه ولكنه قد عدل عنه لحكمة لم تظهر لابن الأثير." ، وجاء فيه أيضا :"(مناقشة نموذج آخر من إنشاء ابن الأثير) قال في القسم الأول من النوع الرابع في الالتفات بعدما تكلم على ما في سورة الفاتحة من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وفرغ من ذلك: (فانظر إلى هذا الموضع؛ وتناسب هذه المعاني الشريفة؛ التي الأقدام تكاد تطؤها والأفهام مع قربها صافحة عنها).، أقول: أكذا يقال بعد ذكر أسرار القرآن الكريم وإيضاح غامضه وما أفاد قوله: المعاني الشريفة وتأدبه بقوله :(تكاد الأقدام تطؤها) ! وكان الأحسن أن لو قال :(فانظر إلى هذه المعاني الشريفة كيف غدت شموسها ضاحية؛ والبصائر عن إدراك ضيائها لاهية) ؛ أو أن يقول :(تكاد تيجانها تقع على المفارق؛ والأذهان عاطلة الجيد من درها المتناسق).".
- وجاء في تزيين الأسواق في أخبار العشاق لداود الأنطاكي (15) (ت 1008هـ):
" ألا يـا بنـات الحـي إن أبـاكـمـا أضـحى قـتيلاً فـي الـتراب مـجـندلا
لـلّـه دركـمـا ودر أبـيـكمــا لايـبـرح الـعـبـدان حـتـى يـقـتلا
...وفي البيت خزم (16) بالحرف الأول وهو عيب مشهور سائغ الاستعمال في الصناعة؛وقوله بنات الحي؛ثم عدل إلى التثنية في قوله إن أباكما جريا على الغالب في خطاب العرب فإنهم يستعملون التثنية في الجمع والإفراد.".
- وجاء في القواعد الحسان للسعدي (17) (ت :1307هـ - 1376هـ): " قوله تعالى:{هو الذي يسيركم فى البر} (على ظهور الدواب) {وفي البحر} (على الفلك) {حتى إِذا كنتم فى الفلك} أي:(في السفن؛والفلك: تكون واحدا وجمعاً) {وجرين بِهِم} أي :(جرت الفلك بالناس) ؛ رجع من الخطاب إلى الغيبة ؛ والفائدة فيه من وجوه :
أحدها : ما تقدم عن الزمخشري (18) ؛وهو المبالغة بذكر حالهم لغيرهم ليعجبوا منها؛ ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتقبيح. وثانيها : قال الجبائي: (إن مخاطبته - سبحانه جلَّ ذكره - لعباده على لسان الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بمنزلة الخبر عن الغائب ؛ وكل من أقام الغائب مقام المخاطب حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب).
وثالثها : قال ابن الخطيب :(إن الانتقال من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور يدل على مزيد التقريب والإكرام؛ وأما الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة فإنه يدل على المقت والتعذيب وهو اللائق بحال هؤلاء؛لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله إليه بالكفر؛ أن يكون اللائق به ذلك)، والأول كما في الفاتحة ؛ فإن قوله :{بسم الله الرحمنِ الرحيم . الْحمد للَّه رب العالَمين . الرحمنِ الرحيم} [ الفاتحة : 1 - 3 ] خطاب غيبة ؛ ثم قال : {إِياك نعبد وإِياك نستعين} [ الفاتحة : 5 ] وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور؛ وهو يوجب علو الدرجة وكمال القرب.".
- وجاء في البحر المحيط لأبي حيان عند تفسيره للفاتحة:" وإياك التفات لأنه انتقال من الغيبة إذ لو جرى على نسق واحد لكان إياه ؛ والانتقال من فنون البلاغة وهو الانتقال من الغيبة للخطاب أو التكلم ومن الخطاب للغيبة أو التكلم ومن التكلم للغيبة أو الخطاب ؛ والغيبة تارة تكون بالظاهر وتارة بالمضمر وشرطه أن يكون المدلول واحدا ؛ ألا ترى أن المخاطب بإياك هو الله تعالى ؟.".
الحاشية :
(11) مفاتيح الغيب ؛ فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي ؛ من متكلمي الأشاعرة اشتغل بالفلسفة وقيل أنه رجع إلى مذهب السلف في التوحيد ؛ وقال ابن تيمية عن تفسير الفخر :"فيه كل شيء إلا التفسير" - وقد نافح عنه الصفدي في الوافي بالوفيات على عادته في التهوين من آراء شيخ الإسلام ابن تيمية مع انتصاره لأعداء الدعوة السلفية من أهل البدع الصوفية والأشاعرة- ؛ وعلى العموم فإنه في غالب ردوده على أصحاب المقالات يأتي بالشبهة ناجزا ويردها نسيئا ؛ فلا يستفيد من تفسيره إلا عارف متخصص .
(12) لعله : أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ البَصْرِيُّ المعتزلي ؛ المشهور بالجبائي ؛ شيخ المعتزلة ؛ ورأس المتكلمين في عصره ؛ وإليه نسبة الطائفة(الجبائية)؛ له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب ؛ نسبته إلى جبى (من قرى البصرة) اشتهر في البصرة ؛ ودفن بجبى ؛ رد عليه الأشعري ؛ مَاتَ بِالبَصْرَةِ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِ مائَةٍ . (انظر:سير أعلام النبلاء27/202، والأعلام للزركلي6/256، و المقريزي 2/ 348، ووفيات الأعيان 1/480 ،والبداية والنهاية 11/125،واللباب1/208، =ومفتاح السعادة 2/35 ، وانظر دائرة المعارف الاسلامية 6/270 – 274 ، و مجلة الجامعة الإسلامية ـ العدد 23 بعنوان : أبو الحسن الأشعري ؛ الكاتب : حماد الأنصاري .
(13) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ؛ أبو الفتح ضياء الدين نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير.
(14) نصرة الثائر على المثل السائر؛ صلاح الدِّين خليل بن أيبك الصفدي ؛ من ألذ أعداء دعوة شيخ الإسلام ؛ وقد أكثر التعريض به في كتبه الشوهاء ؛ مع نصرة لأعدائه وتمجيد لهم ؛ وقد فضح نواياه بعض أهل العلم وبينوا مكنوناته والتي ما صبر أن أفصح عنها ؛ وتلك التي تنم عن أمراض نفسية وأزمات عصبية على ما أخبر هو نفسه على لسان شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ وقد أحسن في وصفه ؛ وأنصف هو في نقل ذلك عن نفسه ؛ وقد وقفت على تزكيته لابن عربي وكتابه الفتوحات المكية ؛ بل أكثر من ذلك فهو يمجد مقدمة الكتاب وينوه بها وأنها لا تخالف المعقول والمنقول مع أنها عين الأشعرية الماكرة المفوضة للصفات ؛ إلى غيرها من ادعاءاته المهترئة المتساقطة أمام شهب الحق المبين ؛ وقد جمع الباحث أبو الفضل القونوي طرفا لا بأس به في بيان مواقف الصفدي من شيخ الإسلام ؛ و مدى غموض آرائه العقدية وخلطه الفاضح في كثير من جوانبها ؛ فاللهم اعصمنا واهدنا يا رب العالمين .
(15) تزيين الأسواق في أخبار العشاق ؛ داود بن عمر الأنطاكي الضرير .
(16) قال ابن فارس :"(خزم) الخاء والزاء والميم أصلٌ يدلُّ على انثقاب الشَّيء. فكلُّ مثقوبٍ مخزومٌ."[مقاييس اللغة]، وقال ابن سيده : "والخَزْم في الشِّعر : زيادة حرف في أول الجُزء أو حرفين ، أو حروف من حروف المعاني ، نحو : الواو ، وبل ، وهل .
قال أبو إسحاق : وإنما جازت هذه الزيادة في أوائل الأبيات ، كما جاز الخرم ، وهو النقصان في أوائل الأبيات ، وإنما احتملت الزيادة أو النقصان في الأوائل ، لأن الوزن إنما يستبين في السمع ويظهر عواره إذا ذهبت في البيت."[المحكم والمحيط].
(17) القواعد الحسان في تفسير القرآن ؛ عبد الرحمن بن ناصر السعدي .
(18) هو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي (سنة الولادة 467هـ/ سنة الوفاة 538هـ) ، من أعيان المعتزلة ورؤوسهم ولا ينظر في تفسيره وباقي كتبه إلا عارف متخصص .