مع الإشارة أن ما سأنقله هنا بحاجة إلى مراجعة للسقط والأخطاء الكتابية والزلل من قبيل الذهول والسهو ...
ولكن استعجالك أبا عبد الرحمن عبر الرسائل الخاصة لم يترك لي مراجعته ؛ وأضف إلى ذلك محبتي لك وعدم قدرتي على رد طلباتك ؛ ولشديد تأثري بما تتأثر به ؛ وعظيم عنايتي بمنا يعنيك ويشغلك ؛ أولست أخي المحب وصديقي الغب في الله وحده ؛ ولذلك فهذه نتف حول الموضوع في ارتقاب تفصيل واف بإذن الله ومدارسة مسهبة حول الموضوع الذي طرحته ؛ ..
وقبل الخوض أقول لك أبا عبد الرحمن :
غفر الله لك ؛ لا نرتاح معك أبدا ؛ فبمجرد خلوصنا من موضوع تفتح علينا جبهة جديدة ؛ فلا نامت أعين الجبناء ؟؟؟
ولكن فقط من باب رد الفضل إلى أهله والأمانة العلمية فإني أنوه بمجهود أخينا العزيز أبي أسامة محمد طنجير فهو الذي قام بنسخه وصنع هوامشه على جهاز الكمبيوتر بعد إملائي له ؛ وهاهي مقتطفات وجيزة :
5/ استمداد علم النحو: استمداده على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: كتاب الله عز و جل
المرتبة الثانية: أحاديث الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم
المرتبة الثالثة: الأشعار و قسمها العلماء إلى أربعة أقسام:
- أشعار الجاهليين و هو حجة بالإجماع
- أشعار المخضرمين و هو حجة بالإجماع
- أشعار الإسلاميين
- أشعار المولدين
وهذه المراتب مجتمعة يطلق عليها اسم شواهد النحو.
المرتبة الأولى و الثانية: كتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه و على آله و سلم
* كثير من العلماء اللغويين يحكمون الشعر الجاهلي في تقرير القواعد والقضايا اللغوية والنحوية على نصوص الكتاب والسنة , و في كل زمان يبعث الله مجددين لهذا الدين وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله و سلم أنّ الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كلّ مئة سنة من يُجدّد لها دينها و ليس المراد بتجديد الإسلام استبدال أحكامه بما يوافق رغبات الناس وأهواءهم من الاجتهادات الخاطئة والآراء المخالفة لهدي الإسلام؛ فهذا تجديد باطل مرفوض، وهذا هو ما ينادي به بعض الجهلة وأصحاب الأفكار الملوثة و لكن التجديد المقصود نوعان: تجديد عام في كل نواحي الشرع و هذا المجدد يكون عالما بحديث الرسول صلى الله عليه و على آله و سلم, و تجديد يتخلل بعض المناحي الشرعية كتجديد في الفقه. و ليس التجديد بمعنى الإتيان بالجديد و لكن تذكير الناس بما كان عليه سلفهم الصالح, أولم يكن سلفنا الصالح إذا ورد عليهم كلام حكموه إلى كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله و سلم, و ألم تسمعوا بأن نصوص الكتاب و السنة تقضي و لا يقضى عليها بل يطلقونها بصيغة اسم الفاعل فيقولون هي قاضية عليها ومعنى القضاء في كلام السلف الصالح أي الحاكم, أي أن نصوص الكتاب و السنة حاكمة على غيرها في كل نواحي الحياة الدينية و الدنيوية, و لهذا يا إخوان نعلم بداهة و عفوا أن من حكم الشعر الجاهلي على كلام الله عز و جل من علماء اللغة العربية فقد أخطأ خطأ دريعا فادحا, و إنما يحكم كتاب الله و كلامه على ما عداه.
لماذا نقول هذا؟ لأن أغلب علماء اللغة العربية حوالي من 80% إلى 90% يحكّمون نصوص الشعر الجاهلي على نصوص الكتاب و السنة, فتصدى لهذا ثلة طيبة من علماء الإسلام, فتحملوا الصعاب في سبيل الرد على مثل هذه الدعاوي حتى أرجعوا الناس إلى تحكيم نصوص الكتاب و السنة على غيرها تذكيرا بما هي أهل لها من قضائها و حكمها على غيرها من الكلام، وعدم حكم غيرها و لا قابلية حكمه عليها, قال ربنا جل وعلا: {وَأَنزَلْنَا إليك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عليه فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48].
و من هنا يتبين خطأ من قال أن هذه قراءة شاذة و أخرى متواترة، بل الصواب أن نقول هذه قراءة متواترة و هذه قراءة آحاد أي لم تثبت من طريق التواتر.
فلا غَرْوَ(1) أن تؤلف كتب يطلق عليها أصحابها لحن القراء و تلحين النحويين للقراء، فخطّأ اللغويون و النحويون جمهرة من القراء في عدد غير قليل من أحرف القرآن الكريم.
و لنعط أمثلة على ذلك:
قال الله تعالى : {إن هٰذان لساحران} [طه: 63]، و قوله سبحانه: {و المقيمين الصلٰوة} [النساء: 162]، و غيرها من الأمثلة التي حكم عليها جمهرة علماء اللغة بأنها لحن.
الله الله كيف يكون لحنا مثل هذا و قد تلقته الأمة بالقبول و كتب في مصحف عثمان رضي الله عنه ولم يخالف لسان العرب، ثم لماذا لا نقول أن ما علمناه من لسان العرب هو الذي خالف هذه القراءة، إذن فقد جعل الله لهذه الأمة مجددين يجددون لها أمر دينها فيردّونها إلى الأمر الأول يوم كان القرآن و السنة هما القاضيان على غيرهما و لا يقضي عليهما غيرهما.
و مما نادى له العلماء هو الرجوع إلى لغة القرآن و السنة الصحيحة و جعلهما مهيمنين كما أراد الله جل و علا، و من أبرز من نادى لهذا الأمر -أي تحكيم لغة القرآن على شواهد الشعر- نذكر: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، و إمام اللغة في هذا العصر محمد الخضر حسين، و شيخ الأدباء محمود شاكر، و إمام النحات في هذا العصر محمد عبد الخالق عَضيمة رحمهم الله جميعا رحمة واسعة، وهذا الأخير ذكرا لا قدرا له كتاب أوعب(2) و أنعب سمّاه "دراسات في أساليب القرآن".
* الفرق بين الشاهد و المثال:
فأما الشاهد يؤتى به ابتداءا و لتقرير القاعدة، و الشاهد لا يخرج عن هذه الثلاث مراتب المذكورات. و أما المثال فيأتي تبعا للقاعدة و لا يشترط فيه أن يكون من هذه المراتب، بل هو أوسع، و يأتي تمثيلا للقاعدة بعد تقريرها بالشواهد.
---------------------------------------------------
(1): عجب
(2): أوْعَبَ القومُ، إذا حَشَدوا وجاءوا موعِبينَ، إذا جمعوا ما استطاعوا من جمعٍ
--------------------------------------------------------------------------
-----------------------------------------------------------------------------------
و أما بالنسبة للشواهد فقد ذكر البغدادي رحمه الله في خزانة الأدب التفصيل فيها، و من ذلك أن القرآن بالاتفاق حجة في تقرير قواعد النحو، و السنة فيها خلاف و الراجح حجيتها ببعض الشروط ذكرها أهل العلم، و من الشروط و الله أعلم ألاّ يكون الحديث مرويا بالمعنى، و إن روي بالمعنى فهو حجة بشرط ألاّ يكون راويه خارجا عن عصر الاستشهاد حيث اختلطت الألسن و شابها العجم، و يستثنى من بقي على سليقته عالما بما تحيله الألفاظ من معان على ما كان عليه العرب قبل اختلاط الألسن و عجمتها و شوبها بطنطنة الأعاجم و ذلك أن العلماء ما جمعوا اللغة العربية (أشعار العرب و نشرها) إلا في نهايات عصور الاستشهاد أو بعد انقراض غالب أهلها.
فلو طبقنا ما يقوله بعض من ادعى أن السنة لا يستشهد بها لاحتمال روايتها بالمعنى من طبقة متأخرة لعمّ ذلك لغة العرب بأجمعها، و دفعا لهذا كله قرر الفحول من المحققين أن هذا الأمر (أمر الاستشهاد بالحديث) نسبي و ذلك أن من العرب من حافظوا على سليقتهم و لغتهم السامقة(1) لعدم اختلاطهم بالأعاجم و بعدهم عن المدنية الطارئة على بلاد المسلمين لمحافظتهم على ما كان عليه العرب من أمية لا تعرف قراءة و لا كتابة و هي من أبرز الأسباب في اختلاط اللسان العربي بغيره من الألسن، و أيضا ترد هذه الفرية بأن الله عز و جل حفظ كتابه بأن أوكل ذلك لنفسه، و من حفظه كما هو معلوم حفظ أسبابه، و هل اللغة العربية متمثلة في أشعار العرب و نثرها الا سبب في حفظ هذا الكتاب و تيسير فهمه و إعرابه و مثلها السنة النبوية.
و قد تشبث بهذا الادعاء بعض المتهوكين من المستشرقين و أذنابهم من الحداثيين و دعاة التجديد الموهوم (الحداثية)، كأمثال مرجليوث و طه حسين و محمد عوامة و الترابي و طه جابر علواني... و غيرهم كثير ( لا كثرهم الله)، فبثوا شبهة ألبسوها رداء الجِدة و لكنها أثيرت قديما كما أسلفنا، فادعوْ ما سبق ذكره في الشعر العربي و مثله في السنة و غيرها من علوم الإسلام، و قد رد عليهم العلماء بما ذكرنا (و هو كاف)، و غيرها من الأوجه التي يغني بعضها عن بعض، و ذلك أن القوم لما عجزوا عن الطعن في كتاب الله ذهبوا إلى أسبابه فأرادوا تقويضها(2) ببعض الألفاظ المزوقة و العبارات المنمقة وجمع شتات الشبهات المحذلقة(3) من هنا و هناك عسى و لعل أن تنطلي أو يغتر بها السوقة ممن ليس لهم في العير و لا لهم في النفير.
-------------------------------------------------------------------
(1): الخالصة
(2): في حديث الاعتكاف [ فأمَر ببنائِه فَقُوِّضَ ] أي قُلِع وأُزِيلَ . وأراد بالبِناء الخِباءَ
(3): التي تُوهم بأنها حق و هي غير ذلك
---------------------------------------------------------------------------
--------------------------------------------------------------------------------------------
و مثل صنيعهم هذا صنيع الروافض، فلما عجزوا -و هم ذنب اليهود- عن الطعن في رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم، ذهبوا إلى أصحابه و بوابتهم معاوية و عثمان رضي الله عنهما، فإذا انفتح الباب كان وليجة لهم في الطعن في رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم بل في الدين بأكمله و في ذروته القرآن الكريم، نعم... أوليسوا هم الصحابة حملة هذا الدين و المبلغون عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم و الموقعون عن رب العالمين.
و سنتطرق في المرة القادمة إلى باقي مراتب الاستشهاد، و كذلك نتطرق إن شاء الله إلى سبل جمع القواعد (الجمع و الاستقراء) من مواطن القطر و شغاف الجبال و أطراف البوادي حيث لازالت السليقة سليمة لم تكدرها شوائب العجمة.
انتهى بنا المطاف في المرة السابقة إلى ذكر الراجح في حكم الاستشهاد بالسنة النبوية على القواعد النحوية تقريرا وتحريرا (و التقرير هو استنباط القاعدة أو أصل القاعدة من الحديث، و التحرير هو تمشية فروع القاعدة على ما يوافق الحديث و يتماشى مع أصل القاعدة جنبا إلى جنب).
يتبع بإذن الله ........