بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وتابعة هذا كلام ابن عربي مع التعليق على مواضع منه كما أسلفت :
( قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ان الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار وان الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم فاخبر عليه السلام بأن العقل لم يدركه بفكره ولا بعين بصيرته كما لم يدركه البصر وهذا هو الذي أشرنا اليه فيما تقدم من بابنا فللّه الحمد على ما ألهم وأن علمنا ما لم نكن نعلم وكان فضل الله عظيما هكذا فليكن التنزيه ونفى المماثلة والتشبيه وما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل وحمل ما وردت به الآيات والاخبار على ما يسبق منها إلى الافهام من غير نظر فيما يجب للّه تعالى من التنزيه فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح ولو طلبوا السلامة وتركوا الاخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله ويقولون لا ندرى وكان يكفيهم قول الله تعالى ليس كمثله شيء فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه فقد أشبه الله شيئا وهو قد نفى الشبه عن نفسه سبحانه فما بقى إلا ان ذلك الخبر له وجه من وجوه التنزيه يعرفه الله تعالى وجىء به لفهم العربىّ الذي نزل القرآن بلسانه وما تجد لفظة في خبر ولا آية جملة واحدة تكون نصا في التشبيه أبدا وانما تجدها عند العرب تحتمل وجوها منها ما يؤدّى إلى التشبيه ومنها ما يؤدّى إلى التنزيه فحمل المتأوّل ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدّى إلى التشبيه جور منه على ذلك اللفظ اذ لم يوف حقه بما يعطيه وضعه في اللسان وتعدّ على الله تعالى حيث حمل عليه سبحانه ما لا يليق بالله تعالى ونحن نورد ان شاء الله تعالى بعض أحاديث وردت في التشبيه وانها ليست بنص فيه فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فمن ذلك قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة والمجاز الجارحة تستحيل على الله تعالى الاصبع لفظ مشترك يطلق على الجارحة ويطلق على النعمة قال الراعى ضعيف العصا بادى العروق ترى له عليها إذا ما أمحل الناس أصبعا يقول ترى له عليها أثرا حسنا من النعمة بحسن النظر عليها تقول العرب ما أحسن أصبع فلان على ماله أي أثره فيه تريد به نموّ ماله لحسن تصرّفه فيه أسرع التقليب ما قلبته الاصابع لصغر حجمها وكمال القدرة فيها فحركتها أسرع من حركة اليد وغيره ولما كان تقليب الله قلوب العباد أسرع شيء أفصح صلَّى الله عليه وسلَّم للعرب في دعائه بما تعقل ولان التقليب لا يكون إلا باليد عندنا فلذلك جعل التقليب بالاصابع لأن الاصابع من اليد في اليد والسرعة في الاصابع أمكن فكان عليه السلام يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك وتقليب الله تعالى القلوب هو ما يخلق فيها من الهمّ بالحسن والهم بالسوء فلما كان الإنسان يحس بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحق القلب وهذا لا يقدر الإنسان يدفع علمه عن نفسه لذلك كان عليه السلام يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك وفى هذا الحديث ان احدى أزواجه قالت له أو تخاف يا رسول الله فقال صلَّى الله عليه وسلَّم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله يشير صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سرعة التقليب من الايمان إلى الكفر وما تحتهما قال تعالى فألهمها فجورها وتقواها وهذا الإلهام هو التقليب والاصابع للسرعة والاثنينية لها خاطر الحسن وخاطر القبيح فإذا فهم من الأصابع ما ذكرته وفهمت منه الجارحة وفهمت منه النعمة والاثر الحسن فبأىّ وجه تلحقه بالجارحة وهذه الوجوه المنزهة تطلبه فاما نسكت ونكل علم ذلك إلى الله تعالى والى من عرفه الحق ذلك من رسول مرسل أو ولىّ ملهم بشرط نفى الجارحة ولابدّ واما ان أدركنا فضول وغلب علينا إلا ان نردّ بذلك على بدعىّ مجسم مشبه فليس بفضول بل يجب على العالم عند ذلك تبيين ما في ذلك اللفظ من وجوه التنزيه حتى تدحض به حجة المجسم المخذول تاب الله علينا وعليه ورزقه الاسلام )
قال أبو عبد الله بلال يونسي :
( انظر أخي السلفي إلى هذه اللوثة التكفيرية والصبغة الخارجية التي تميز بها أهل الأهواء ؛ فأنت ترى هذا الخبيث وتلاعبه بالألفاظ ثم دسه التكفير للمسلمين النزهاء المنزهين بطريقة ماكرة حقيرة ؛ إذ لم يميز سياق كلامه عن لحاقه وذلك حتى تكتمل له اللعبة اللفظية ولا يلتفت لتكفيره سذج المنزهين ؛ والعياذ بالله ....)
ثم قال بعدها :
(فان تكلمنا على تلك الكلمة التي توهم التشبيه ولابد فالعدول بشرحها إلى الوجه الذي يليق بالله سبحانه أولى )
قال أبو عبد الله بلال :
( انظر إلى هذه الكلمات المجملات والتي هي من عادة أهل الأهواء لقفانها ؛ فإذا حصرتهم وأوجبت عليهم مثالا للغوهم وزورهم افتضحوا وصاروا إلى ما صار إليه هذا الخبيث الماكر من تأويل صريح وتلبيس فضيح ؛ والحق الحق ما قاله أئمتنا الكبار أولي التحقيق والعناية في باب العقائد :" إذا لاقيت المبتدع وناظرته فوجدته يجمل الكلام فطالبه بالمثال على كل مقال ؛ وعندها سيفتضح ويفر لا يلوي على شيء ؛ ...." .... ).
ثم تابع قائلا :
( هذا حظ العقل في الوضع نفث روح في روع الاصبعان سر الكمال الذاتى الذي إذا انكشف إلى الابصار يوم القيامة يأخذ الإنسان أباه إذا كان كافرا ويرمى به في النار ولا يجد لذلك ألما ولا عليه شفقة بسرّ هذين الاصبعين المتحد معناهما المثني لفظهما خلقت الجنة والنار وظهر اسم المنوّر والمظلم والمنعم والمنتقم فلا تتخيلهما اثنين من عشرة ولابد من الاشارة إلى هذا السرّ في هذا الباب في كلتا يديه يمين وهذه معرفة الكشف فان لاهل الجنة نعيمين نعيما بالجنة ونعيما بعذاب أهل النار في النار وكذلك أهل النار لهم عذابان وكلا الفريقين يرون الله رؤية الأسماء كما كانوا في الدنيا سواء وفى القبضتين اللتين جاءتا عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في حق الحق سرّ ما أشرنا اليه ومعناه والله يقول الحق وهو يهدى السبيل القبضة واليمين قال تعالى والارض جميعا قبضته والسموات مطويات بيمينه نظر العقل بما يقتضيه الوضع منع أولا سبحانه أن يقدر قدره لما يسبق إلى العقول الضعيفة من التشبيه والتجسيم عند ورود الآيات والاخبار التي تعطى من وجه مّا من وجوهها ذلك ثم قال بعد هذا التنزيه الذي لا يعقله إلا العالمون والارض جميعا قبضته عرفنا من وضع اللسان العربى أن يقال فلان في قبضتى يريد انه تحت حكمى وان كان ليس في يدى منه شيء البتة ولكن أمرى فيه ماض وحكمى عليه قاض مثل حكمى على ماملكته يدى حسا وقبضت عليه وكذلك أقول مالى في قبضتى أي في ملكى واني متمكن في التصرّف فيه أي لا يمنع نفسه مني فإذا صرّفته ففى وقت تصرفى فيه كان أمكن لي أن أقول هو في قبضتى لتصرّفى فيه وان كان عبيدى هم المتصرّفون فيه عن اذني فلما استحالت الجارحة على الله تعالى عدل العقل إلى روح القبضة ومعناها وفائدتها وهو ملك ما قبضت عليه في الحال وان لم يكن لها أعني للقابض فيما قبض عليه شيء ولكن هو في ملك القبضة قطعا فهكذا العالم في قبضة الحق تعالى والارض في الدار الآخرة تعيين بعض الاملاك كما تقول خادمى في قبضتى وان كان خادمى من جملة من في قبضتى فانما ذكرته اختصاصا لوقوع نازلة مّا واليمين عندنا محل التصريف المطلق القوىّ فان اليسار لا يقوى قوّة اليمين فكني باليمين عن التمكن من الطىّ فهى اشارة إلى تمكن القدرة من الفعل فوصل إلى أفهام العرب بألفاظ تعرفها وتسرع بالتلقى )
قال أبو عبد الله بلال :
( هذا هو عين كلام الأشاعرة الملاحدة ؛ والذي مبناه على تفسير الصفات ببعض آثارها أو إحدى لوازم معانيها دون باقي المعاني واللوازم ؛ مع تفويض الظواهر بتلاعبات ليس هذا محل لبسطها ؛ ....)
ثم تابع قائلا :
( لها قال الشاعر إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين وليس للمجد راية محسوسة فلا تتلقاها جارحة يمين فكأنه يقول لو ظهر للمجد راية محسوسة لما كان محلها أو حاملها إلا يمين عرابة الاوسىّ أي صفة المجد به قائمة وفيه كاملة فلم تزل العرب تطلق ألفاظ الجوارح على ما لا يقبل الجارحة لاشتراك بينهما من طريق المعني نفث روح في روع إذا تجلى الحق لسرّ عبد ملكه جميع الاسرار وألحقه بالاحرار وكان له التصرّف الذاتىّ من جهة اليمين فان شرف الشمال بغيره وشرف اليمين بذاته ثم أنزل شرف اليمين بالخطاب وشرف الشمال بالتجلى شرف الإنسان بمعرفته بحقيقته واطلاعه عليها وهو اليسار وكلتا يديه من حيث هو شمال كما ان كلتى يدى الحق يمين ارجع إلى معني الاتحاد كلتا يدى العبد يمين ارجع إلى التوحيد احدى يديه يمين والأخرى شمال فتارة أكون في الجمع وجمع الجمع وتارة أكون في الفرق وفى فرق الفرق على حكم التجلى والوارد يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن وان لقيت معديا فعدناني ومن ذلك التعجب والضحك والفرح والغضب التعجب انما يقع من موجود لا يعلم ذلك المتعجب منه ثم يعلمه فيتعجب منه ويلحق به الضحك وهذا محال على الله تعالى فانه ما خرج شيء عن علمه فمتى وقع في الوجود شيء يمكن التعجب منه عندنا حمل ذلك التعجب والضحك على من لا يجوز عليه التعجب ولا الضحك لأن الامر الواقع متعجب منه عندنا كالشاب ليست له صبوة فهذا أمر يتعجب منه فحل عند الله تعالى محل ما يتعجب منه عندنا وقد يخرج الضحك والفرح إلى القبول والرضى فان من فعلت له فعلا أظهر لك من أجله الضحك والفرح فقد قبل ذلك الفعل ورضى به فضحكه وفرحه تعالى قبوله ورضاه عنا كما ان غضبه تعالى منزه عن غليان دم القلب طلبا للانتصار لانه سبحانه يتقدس عن الجسمية والعرض فذلك قد يرجع إلى أن يفعل فعل من غضب ممن يجوز عليه الغضب وهو انتقامه سبحانه من الجبارين والمخالفين لامره والمتعدّين حدوده قال تعالى وغضب عليه أي جازاه جزاء المغضوب عليه فالمجازى يكون غاضبا فظهور الفعل أطلق الاسم التبشبش من باب الفرح ورد في الخبر ان الله يتبشش للرجل يوطئ المساجد للصلاة والذكر الحديث لما حجب العالم بالاكوان واشتغلوا بغير الله عن الله فصاروا بهذا الفعل في حال غيبة عن الله فلما وردوا عليه سبحانه بنوع من أنواع الحضور اسدل اليهم سبحانه في قلوبهم من لذة نعيم محاضرته ومناجاته ومشاهدته ما تحبب بها إلى قلوبهم فانّ النبىّ عليه السلام يقول حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فكني بالتبشش عن هذا الفعل منه لانه اظهار سرور بقدومكم عليه فانه من يسرّ بقدومك عليه فعلامة سروره اظهار البر بجانبك والتحبب وارسال ما عنده من نعم عليك فلما ظهرت هذه الأشياء من الله إلى العبيد النازلين به سماه تبششا .
النسيان قال الله تعالى فنسيهم البارى تعالى لا يجوز عليه النسيان ولكنه تعالى لما عذبهم عذاب الأبد ولم تنلهم رحمته تعالى صاروا كانهم منسيون عنده وهو كانه ناس لهم أي هذا فعل الناسى ومن لا يتذكر ما هم فيه من أليم العذاب وذلك لانهم في حياتهم الدنيا نسوا الله فجازاهم بفعلهم ففعلهم أعاده عليهم للمناسبة وقد يكون نسيهم أخرهم نسوا الله أي أخروا أمر الله فلم يعملوا به أخرهم الله في النار حين أخرج منها من أدخله فيها من غيرهم ويقرب
)
قال أبو عبد الله بلال يونسي :
( ينم كلامه هذا عن جهل عريض بلسان العرب ؛ إذ النسيان يرد بمعنى الترك أيضا وليس ضرورة بمعنى الذهول عن الشيء ؛ ولا أظنه يجهل ذلك حقيقة وإنما هو إغفال واستغفال فنسب نفسه للجهل حتى تنطلي خلطاته الخبيثة على سذج المنزهين فيظنون صنيعه تنزيها وما هو إلا مكر خائن لجج والعياذ بالله ؛ اللهم أعذنا من التلبيس وأهله ....)
( يتبع بإذن الله )