و قال أخونا العكرمي الشاعر :
و لا ضير أن يكون معهم غيرهم , و كيف لا يحتلون تلك المرتبة و قد أجمعت العرب على قوة شعرهم و فحولتهم , و إلا فما فائدة كونهم من أصحاب المعلقات ؟؟!! .
وجوابا عليه قال أخوه أبو عبد الله بلال يونسي :
فما ضابط الفحولة عند نقاد الشعر ؛ وما علاقة معناها اللغوي بالمعنى الاصطلاحي ؛ و ما طرق تقسيم كل ناقد لطبقاته ؛ وما مدى نجاعة كل تقسيم وأيها أقرب للدلالة على المراد المطلوب في جودة الشعر ؛ وهذا كمقدمة لوضع الضابط الصحيح الموزون بميزان الشرع في الوصول إلى ميزات الشعر والشاعر الذان ينبغي تقديمهما ومن ثمة الحكم على صاحب الشعر بالفحولة من عدمه ...
وقبل أن أختم ؛ وفي النية رجوع إلى الموضوع بإذن الله ؛ أذكر مجملا لما يظن ميزانا للفحولة :
1 - أن يبز أقرانه بالهجاء ..
2 - أن يبز أقرانه بالمعارضة ؛ وقيل أن لها تعلقا بوقعة كانت بين امريء القيس وعلقمة الفحل حيث عارض امرؤ القيس علقمة فبزه علقمة ؛ فلما تحاكما إلى زوج امريء القيس انتصرت لعلقمة عليه ؛ فطلقها لما علم أنها غلبت على علقمة لا على شعره - أي كما ادعى امريء القيس - فتزوجها علقمة ؛ فسمي من حينها فحلا ؛ أي فات بفحولته أن بز امريء عن زوجه ؛ ثم سارت في كل من بز بالمعارضة ولو لم يأخذ زوجة أو مالا .
وعلقمة هذا قد سبق لي معه جولة ؛ وذلك حين دللت على أن شعر مالك بن الريب حجة في اللغة على الرابط التالي :
http://www.salafi-poetry.net/vb/showthread.php?t=80
وأنقل هنا ما جاء هناك تثرية للموضوع وتنفيسا وتثمينا :
( خامسا:
هل يصلح شعره في الشواهد - أي شعر مالك بن الريب - رحمه الله ؟؟
الجواب :
ظاهر من سياق ما فات من قصة مالك بن الريب ..
ومعنى ذلك أنه إسلامي ؛ وممن تحفظ أشعارهم ؛ ويستشهد بها على الغريب والنحو ..
وزد على ذلك أن كثيرا من علماء اللغة استشهدوا بشعره وخرجوا له في كتبهم النحوية واللغوية ؛ وعلى رأسهم إمام النحو سيبويه في الكتاب ؛ وذلك تحت :
" هذا باب ( أو ) " :
حين قال :
( تقول أيهم تضرب أو تقتل ؛ تعمل أحدهما ؛ ومن يأتيك أو يحدثك أو يكرمك ؛ لا يكون ههنا إلا : أو ؛ من قبل أنك إنما تستفهم عن الاسم المفعول وإنما حاجتك إلى صاحبك أن يقول : فلانٌ ؛ وعلى هذا الحد يجري : ما ومتى وكيف وكم وأين ؛ وتقول : هل عندك شعيرٌ أو برٌ أو تمرٌ وهل تأتينا أو تحدثنا ؛ لا يكون إلا ذلك ؛ وذاك أن هل ليست بمنزلة ألف الاستفهام ؛ لأنك إذا قلت هل تضرب زيداً فلا يكون أن تدعي أن الضرب واقعٌ ؛ وقد تقول أتضرب زيداً وأنت تدعي أن الضرب واقعٌ ؛ ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة هل ؛ أنك تقول للرجل أطرباً ؟ وأنت تعلم أنه قد طرب ؛ لتوبخه وتقرره ؛ ولا تقول هذا بعد هل ؛ وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدثني ؛ وهل عندك برٌ أو شعيرٌ ؛ على كلامين و؛ كذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا ؛ وعلى هذا قالوا هل تأتينا أم هل تحدثنا :
قال زفر بن الحارث :
( أبا مالِكٍ هل لُمَتْنَي مذ حَضَضتَني *** على القتل أم هل لامني لك لائمُ )
وكذلك سمعناه من العرب ؛ فأما الذين قالوا : أم هل لامني لك لائم ؛ فإنما قالوه على أنه أدركه الظن بعد ما مضى صدر حديثه ؛ وأما الذين قالوا: أو هل ؛ فإنهم جعلوه كلاماً واحداً ؛ وتقول ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا ؛ فهل ههنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت: هل تأتينا ؛ وإنما أدخلت هل ههنا لأنك إنما تقول : أعلمني كما أردت ذلك حين قلت : هل تأتينا أو تحدثنا ؛ فجرى هذا مجرى قوله عز وجل :
"هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون "
وقال زهير :
( ألا لَيْتَ شِعْري هل يَرى الناسُ ما أرَى *** من الأمرِ أو يَبْدُو لهم ما بداليا)
وقال مالك بن الريب:
( ألا لَيْتَ شَعْري هل تغَيَّرِت الرَّحَا *** رَحَا الحَزْنِ أو أضْحَتْ بفَلْجٍ كما هِيَا ) فهذا سمعناه ممن ينشده من بني عمه ؛ وقال أناسٌ أم أضحت ؛ على كلامين كما قال علقمة بن عبدة:
(هل ما علمتَ وما استُودِعْتَ مَكْتومُ *** أم حَبْلُها إذ نَأَتْك اليومَ مصْرومُ)
( أم هل كبيرٌ بَكى لم يَقْضِ عَبْرتَه *** إثْرَ الأَحِبْةِ يومَ البَينِ مَشْكومُ )
والشاهد مما نقلته عن الكتاب أن سيبويه-رحمه الله – حشر مالكا بين فحلين هما زهير وعلقمة بن عبدة الذي قال فيه ابن حجر ونقله عنه صاحب الخزانة – والنقل عن ابن حجر متعمد وذلك لإثراء الموضوع وتثقيف القاريء أكثر ؛ فتارة نذكر كتب الأدب ؛ وتارة نخرج إلى كتب التاريخ والرجال والحديث ؛ وهكذا ؛ وليس عجزا عن الإتيان بترجمة علقمة من كتب الفحولة وغيرها من كتب الاختصاص - :
((وقد أورد ابن حجر في الإصابة ابنه في المخضرمين فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره قال : علي بن علقمة بن عبدة التميمي ولد علقمة : الشاعر المشهور الذي يعرف بعلقمة الفحل وكان من شعراء الجاهلية من أقران امرئ القيس ... ) .
3 - أن يخوض في فنون عدة ولا يقتصر على فن واحد و من أدنى هذي الفنون الرثاء أو التشبيب بالنساء ؛ وقد مثلوا في الباب بذي الرمة ومن على شاكلته ورتبته ؛ ومن ذلك ما رواه المرزباني في موشحه أن :
( ذا الرمة وقف ينشد قصيدته التي يقول فيها:
إذا ارفضّ أطراف السياط وهللت *** جروم المطايا عذبتهن صيدح
فاجتمع الناس يسمعون، وذلك بالمربد، فمر الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلت! قال: فما لي لا أعد مع الفحول؟ قال: قصّر بك عن ذاك بكاؤك في الدمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك وديمومتك ) .
وقد نقل أيضا :
( كان ذو الرمة صاحب تشبيب بالنساء، وأوصاف، وبكاء على الديار، فإذا صار إلى المدح والهجاء أكدى ولم يصنع شيئاً )
وقد نقل المعتزلي رأس الضلالة عمرو بن بحر في بيانه مراتب الشعراء عند العارفين بالفن :
( الشعراء عندهم أربع طبقات، فأولهم الفحل الخنذيذ، والخنذيذ هو التام.. ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلق، ودون ذلك الشاعر فقط، والرابع الشعرور ).
4 - أن تتو فر فيه أربعة شروط حاصلها :
- الإكثار من الشعر حتى تصل قصائده غلى حد معين .
- الجودة في الشعر مع المعرفة بالدلالات اللفظية والمعاني .
- أن يعرف بالشعر لا يشتغل بسواه ؛ وهذا ما دفع الشافعي أن يقول فيما نسب إليه -والله أعلم بصحته- :
ولولا الشعر بالعلماء يزري *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
أي مخافة أن يعرف بالشعر أكثر من العلم ؛ وفيه لطائف قد كنت تذاكرت حولها مع شيخنا أبي رواحة لعل الله ييسر تنزيلها على هذا المتصفح بإذن الله .
- أن يكون جاهليا ؛ وقد اشتهر بهذا القيد الأصمعي -رحمه الله- ؛ وخالفه من جاء بعده ؛ وممن خالفه ابن قتيبة والذي بنى جانبا كبيرا من كتابه الشعر والشعراء على الانتصار للمتأخر من الشعراء وأن من المتأخرينن ما بزت أشعاره أشعار المتقدمين .
و أختم هذه اللفتات بما عساه مؤيد لما نحن بصدده من نصرةللأدب السلفي إن شاء الله ؛ وهو قول الأصمعي لما سئل عن شعر شماخ فنعته بالفحولة ؛ فسئل عن أخيه مزرد فقال فيه :
(ليس بدون الشماخ، ولكنه أفسد شعره بما يهجو الناس ) ؛ فراقب حكم الأصمعي السلفي وتسليطه النقد على الجانب الأخلاقي الأدبي تعلم مصداق ما نوهت إليه من إعادة النظر في غالب من يسمونهم فحولا ..؟؟
ثم هل كلام الأصمعي هنا يعم الجاهلي وغير الجاهلي من الإسلاميين ؛ أم هو فقط في حق طائفة دون أخرى ؛ وذلك أن قدامة بن جعفر في كتابه ( نقد الشعر ) فرق بين الجاهلي وأن شعره يؤخذ رغم فحشه ولا يضر في فحولته ؛ ...
وقد سبق أن عملت تعليقة على كلام قدامة ؛ ولم تسنح فرصة لبثه هنا ؛ ولعل الله ييسر ذلك بعونه ومنه وفضله وتوفيقه جل وعلا ..
يتبع بإذن الله ...
التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله بلال يونسي ; 04-01-2011 الساعة 10:14 AM.
|