ما بَالُ مــــــــن كُنـَــــّا نُحبـــــّهُمُ نَأَوْ *** عَناّ وإناّ غَـــــــــــيرَهُمْ لا نَألَف
وإذا مـــَــــرَابطُ همَّــــــتِي قَرَّبـْـــتُها *** لأزُورَهم أخَـــذَ الزَّمـَــانُ يُسَوّف
يا ذا الغَزَالَ أَطَــــــعْتَ فيّ عَـــوَاذِلا ***فهَـــجَرْتَنِي وتَرَكْتَ نَفْسِيَ تَـلْهَف
يا حـَـــــبَّذَا قُرْبُ الحَــبِيبِ و أَهْــلِهِ***قُرْبًا يَطِيـبُ به الــفُؤَادُ و يَكْــلَف
قد كان شِعـــــرِي لا يُجَــاوزُ ذِكْــرَه***والشِّعْرُ في غير الأحبّةِ أزيفُ
مـــن هؤلاء نُعِزُّهمْ مُتَبَحــــِّرٌ***من أرْضِ حِمْيَرَ بالجزيرة يُعْرَف
الشِّــــعر يشْـــرُفُ قَدْرُهُ في مَدْحـِــه***إذ كيف لا و به العَـــوَالِمُ تشرف
حـــَــيَّا الإله أبـــــا رَوَاحَـــةَ كلّــــما***كان الحَمَامُ بِبَــطْنِ وَادٍ يَهْتِــــف
يا أشْـــــعَرَ الشُّعَرَاءِ خـَــــيرَ مُفلّــقٍ***يا ابن عيسى من كَريمًا يُوصَف
يا من يُـــــعَدُّ من النَّوَابِغِ مِــــصْقَعًا***ويُعدّ رَعْدًا بالفَصَــاحَةِ يَقْصِـــف(02)
شَابَهْتَ في نَظْمِ القصـِـــيدِ جَرِيرَهُمْ***حقا كَأَنّــــكَ من بِحَارٍ تَغْــــــرِف(03)
أطْربْت أسْـــــــمَاعَ البـَـــرِيَّةِ كــلّها***بقصَائِدٍ بين السـُّــــمُوطِ تُصَـنَّف(04)
فالشِّعر يجري في لسـَـــــانِك خِلْقَةً***والنَّاسُ في أشْــــعَارِهَا تَتَكَـلّـف
مَيَّــــزْتَ بين فَصـِـــيحِه و رَدِيئـِـه***كالـنَّارِ عن أصْلِ المَعَادِنِ تَكْشِف
سَخَّرْتَه نَـــصْرًا لسُـــــــــــنّة أحمدَ***فجزاك ربِّــي كل خَــيْر يُثْقَــــف
خُــبِّرْتُ أنَّك ما تَكُـــــونَ بمَـــجْلسٍ***إلاَّ و كان جَنـَـى عُلُومِكَ يُقْـطَف
فأبو القــَــــــوَافي شَاعِرٌ مــُــتَألّقٌ***وأبو البَلاغة مِسْــلَقٌ لا يضْعُف(05)
يُمْسِي ويُصْبِحُ كالهِــزَبْرِ مُدمْدِماً***في كَفِّه سَيْفُ الشَّجَاعَة مُرْهَف(06)
مُتَتَـــــبِّعاً نَــــهْجَ الحَدِيثِ و أَهْــلِه***وعلى خُطَى خَيرِ البَرِيَّة يَرْسُف(07)
قد كان في فلك الفـُحُـــولِ نـُــزُولُه***لكــنّهُ مـُــتَواضِعٌ يَتَــــــــعَفَف
رجلٌ حـــــَـيِيٌّ بالتَّــحَلّم يَكـْـــــتَسِي***مُتَفَــــــهِّمٌ إخْوَانـَــه يَتَـــوَكَّــف(08)
صــَــــقْرٌ عَلاَ جَــــوَّ العُلا بِتَخَـــلُّقٍ***وشُيُوخُه أيْـــضًا بِذلك عُرِّفُوا
أعْني ابنَ هـَادِي ذا المَهَابَةِ مُقْبلُ***وكذاك يَحْيَى والرَّبِيعُ مُشَرَّف
سَمَّـــوْهُ حَسَّـــــانًا لدَعْـــوَتنَا وذا***حَـــقٌ يــُــقَالُ وعـِــنْدَهُ يُتَوَقَف
مازال فينا سَيفَ حـَـــقٍ قـَــــاطِعًا***دُبُرَ الضَّلالَة و العُدَاةَ يُسَفْسِف(09)
قَهَرَ الّذينَ تَحَزَّبُوا و تَفَسَّــــــقُوا***ما إن يَرَوْهُ فيُجِفُوا و يُخَــوّفُوا
لو نال خِبٌّ من شُــــيُوخُه بُرْهَةً***ألفَـــيْتَهُ أوْكَارَ جَهْلِـــه يَنْسِـف(10)
ما ذلَّ قَومٌ أنت فِيــــــهِمْ مُكْـــرَمٌ***إذْ كَيْفَ ذاك و أنْتَ عنهم تَأْنَف
أو عزَّ قومٌ كنــــت فيهم مُبْغَضًا***كلاّ ومَنْ عَنْ حُبِّـــكُمْ يَتَعَجْـرَف(11)
اعلم هُدِيتَ إلى الصَّــلاحِ ونهجهِ***أنَّا نُحِـــبُّكَ في الإلَه ونُسْـرِف
ولقد نَزلْتَ فَلا -تَظـــــــــنّنْ غَيرَهُ-***منّا مَنـَـازِلَ أَنْتَ فِيهــــا تُنْصَفُ
فَاغْضُضْ عُيـُـونًا يا حَلِيمُ لأنّ في***مَدْحِي قُصُوراً إذ مَقَامُكَ أشْرَف
جَادَتْ عليك السُّحْبُ غَيْـــثًا نَافِعًا***ما دام في هذي البَسِيطَةِ عُكّف
و حَبَاكَ ربِّي كُلَّ رِزْقٍ طَيِّـــــــبٍ***وكذاك عن كل المَحَارِمِ تُصْرَفُ
ورُزِقتَ في القبْرِ الثَّباتَ مبشَّراً***بالحُور,عن نَّارِ المَهَانَةِ تَعْــزِف(12)
ووَقَفْتَ فَوْقَ مَنَابِرٍ من فِضَّـــــــةٍ***في جَنّةِ ومَعَ الرَّسُولِ تُشْــــرَف
مع خَيْرِ خَلْقِ الله جَلَّ جـَــــــلالُُه***فهو الكَرِيمُ و بالعِــــبَادِ لـَـــيَرْأَف
إنِّي حَسِبْتُهُ و الرَّقِيبُ حَسِـــــيبُهُ***وأنَا بِشِعْرِي للــحَقِيقَةِ واصِف
وخِتَامُ قَولِي بَيْتُ شِـــــعْرٍ صَادِقٍ***قد قَالَهُ العَــــبَاسُ نَظمِيَ يُسْعِف(13)
إني لآمل أنْ أرَاكَ وَ إِنَّنِي***مِنْ أنْ أمُوتَ ولا أرَاكَ لَخَائِف
تمّت يوم :
الثلثاء15-05-1432، على الساعة 02:00 صباحاً
(*):السيد أحمد الهاشمي, جواهر الأدب,دار ابن حزم, بيروت,(ص211)
(01):مُدْنَفُ: أثقله المرض.
(02):المِصْقَعُ:البليغ.
(03):أردت بذلك قصةجرير أنّه يغرف من بحر وأنّ الفرزدقَ ينحت من صخر.
(04):السّموط: المعلّقات العشر الطِّوَال.
(05):المِسْلَق: البليغ الفصيح.
(06):الهِزبرُ: الأسد.
(07):يَرْسُف: يمشي.
(08):يتوكَّفُ:يتعاهد إخوانه وينظر في أمورهم.
(09):يُسَفْسِف: يُحَقِّرهم ويجعلهم سفاسف.
(10):الخِبّ:الخداع الجُرْبُزُ الذي يسعى بين الناس بالفساد.
(11):يتعجرف: يتكبّر.
(12):عزف: مَالَ و جَانَبَ.
(13):أبو الفضل العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة بن جدان بن كلده من بني عدي بن حنيفة اليمامي(ت:188هـ).