يا عبد الله أعلم أن أداءك العمل الصالح الخالص لله الموافق شرع الله توفيقٌ من الله لك، وعون من الله لك, ومن أعظم نعم الله عليك، ولولا فضل الله عليك لكنت من الهالكين، فكم ضل أقوام وزاغت قلوب, ولم توفق للصواب, وأعلم أنه لو وكلك الله إلى نفسك لهلكت، ولولا توفيق الله لك ما عملت, ولولا هدايته لك ما استقمت, وأعلم أن الشيطان متسلط على العباد، كل لحظة يتمنى أن يضلك ويغويك: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ*ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ}[الأعراف: 16-17] ولكن الله عصم منه عباده المخلصين:{إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ}[ الحجر: 42] فلما علم عدو الله أن الله لا يسلم عباده إليه, ولا يسلطه عليهم قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}[ص:82-83]
فعليك تجاه تلك النعمة العظيمة عدة أمور, من أهمها:
• تعلّم عن الله تعالى, وتعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة, فإن معرفة الله بأسمائه وصفاته زيادة في الإيمان واليقين, وتحقيقًا لإفراده بالعبادة وحده دون سواه، وتذوقًا لطعم العبودية, وطريقًا إلى محبة الله وتعظيمه ورجائه والخوف منه.
• [b]أعرف نعمة الله عليك, واعترف بها له وحده دون سواه, واحمده على التوفيق والتيسير,{وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء:83]، واشكره على ذلك, وشاهد منته.
• سِر بين مشاهدة منته عليك ومطالعة عيب نفسك وتقصيرك في عملك, محققًا سيد الاستغفار: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)) [صحيح البخاري" (كتاب الدعوات/ أفضل الاستغفار/ 5831)]فذلك يوجب لك تمام الذل لله والانكسار بين يديه والتوبة والاستغفار في كل وقت وحين, "واستصغر عملك ولا تعجب؛ فإن الإنسان مهما عمل وقدم؛ فإن عمله كله لا يؤدي شكر نعمة من النعم التي في جسده، ولا يقوم بشيء من حق الله تبارك وتعالى, ولنتأمل كيف أن الله تعالى يوصي نبيه بذلك بعد أن أمره بأمور عظام فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}[المدثر:1-6] فمن معاني الآية ما قاله الحسن البصري: لاتمنن بعملك على ربك تستكثره.
• كن على خوف ووجل أن لا يقبل منك العمل, الله عز وجل يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة:27] فالخوف والوجل من عذاب الله وعدم قبوله للعمل من أعمال القلوب العظيمة التي تبعث على إحسان أعمال الجوارح، وذلك أن من قام بقلبه الخوف أسرع في السير إلى ربه والتقرب إليه بما يرضيه، والبعد والحذر مما يسخطه, فمن أسرع في السير يوشك أن يصل، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)) [سنن الترمذي" (كتاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ/ باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ أَوَانِي الْحَوْضِ/2374) صححه الألباني].[ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي, الإيضاح والتبيين لبعض صفات المؤمنين, - (ج 1 / ص 140)
• كن ملتجئًا إلى الله، واثقًا بالله، محسن الظن به[/b], وأعلم حقاً أنه لا ملجأ من الله إلا إليه, فارجوه في قبول العمل- فإن ذلك مع الخوف من رده -يورث الإنسان تواضعاً وخشوعاً لله تعالى، فيزيد إيمانه, وعندما يتحقق الرجاء فإن الإنسان يرفع يديه سائلاً الله قبول عمله؛ فإنه وحده القادر على ذلك، فلا يتكل على عمله, "فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك"[ ابن قيم الجوزية, مصدر سابق. ص9] وهذا ما فعله أبونا إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، كما حكى الله عنهم في بنائهما الكعبة فقال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[البقرة:127]فهذا يدل على ألا يركن العبد إلى العمل، وأن العمل مهما عظم وجَلّ يحتاج إلى أن يقبله الله فيكون منه الدعاء والتضرع, فهذا الدعاء كأن العبد يقول لربه: أنا لا أركن إلى عملي وإنما أركن إلى رحمتك وفضلك، فقبولك يا رب! للعمل من أعظم المنن علي بعد أن وفّقتني للعمل، كما قال الله عن أهل الجنة إذا دخلوها: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}[الأعراف:43] فإذا كان هذا في الجنة فمن باب أولى أن يكون في الدنيا, والإنسان خاصة إذا قُدِّر له أن يحج مع ولده أو يحج ابن مع أبيه فإنهما يتذكران خليل الله وابنه عليهما السلام وهما يتضرعان إلى الله جل وعلا، وصحيح أننا لم نبنِ البيت ولكن لتلك المناسك والمشاعر والمواقف في ذلك المطاف أثر على القلب، فيقف هو وابنه مستقبلي القبلة فيقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}[البقرة:127] فيستحضران ويستصحبان فعل الخليل صلوات الله وسلامه عليه.
فالدعاء من أعظم ما ترفع به الأعمال، وبه تقبل: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[الشورى:25] إلى غيرها من الآيات التي تشعر أن الإنسان يكون قريباً من ربه إذا دعاه وتضرع إليه، وكلما كان ذلك في مكان فاضل وبقلب منكسر وبصوت خفي كان أدنى من ربه وأقرب إلى إجابة دعوته.
واسأل الله الثبات حتى الممات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
أكثر من الاستغفار, فمهما حرص الإنسان على تكميل عمله؛ فإنه لابد من النقص والتقصير، ولذلك علمنا الله تعالى كيف نرفع هذا النقص فأمرنا بالاستغفار بعد العبادات، فقال بعد أن ذكر مناسك الحج: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[البقرة:199] وأمر نبيه أن يختم حياته العامرة بعبادة الله والجهاد في سبيله بالاستغفار فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}[النصر], وكان صلى الله عليه وسلم يقول بعد كل صلاة: ((استغفر الله)) ثلاث مرات.[أخرجه مسلم، كتاب المساجد ـ باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته 5-89 رقم 591]
وذلك إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام قالا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة:128] فسألا الله أن يتوب عليهما.
• قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَـٰثًا}[النحل:92] فاحرص على عملك من أن يُفسد أو يُبطل ويحبط بعد عمله, أو ينقص ثوابه, ومعرفة ذلك من أهم ما ينبغي أن يفتش عنه العبد ويحذره, فالخسارة كل الخسارة والتي تهون عندها كل خسارة، وتخف عندها كل بلية أن يكدح المرء في الدنيا بأنواع من القرب والطاعات، يسعى في الحياة الدنيا ويحسب أنه يحسن صنعًا؛ فإذا بطاعاته قد ذهبت وحبط ما صنع وقدّم، وإذا بالآمال قد خابت، وأضحت {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[النور:39] فيكون حال صاحبه كحال التي قال الله تعالى عن أصحابها: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}[البقرة: 166]وقال: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}[الفرقان:23].
|