بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد فهذه أبيات قيلت في الشيب جمعتها إجابة لطلب أخينا الفاضل
الشيخ أبي رواحة شاعر أهل السنة والجماعة عسى الله أن ينفعنا بها .
..................................................
وحبيـب طـوى وصـالي لمـا * * * نشـر الشيـب خلـتي بعـد صون
ظن صبغ الشبـاب صبغ الليالي * * * فاصطفاهـا علـي أكـبرعـون
حال حين استحال لون شبابي * * * باعني فـي الهـوى بفاضـللـون
...............................................
لاحُسْن للدُّنيا لديَّ ولا أرَى * * * في العَيْشِ بعـدَ أبي وصِنْوي مأرَبا
لـولا التَّعَلُّلُ بالرّحيـل وأننـا * * * نُنْضي مـن الأعمال فيهـا مَرْكَبا
فإذا ركَضْنـا للشَّبيبة ِ أدْهُمـا * * * جـالَ المشيبُ به فأصْبَـح أشْهَبا
.................................. ............
أألآنَ لَمّا اعْتَمّ بالشّيبِ مَفرِقي * * * وَجَلّى الدُّجَى عَـنْ لِمّتي لَمَعانُهَا
وَنَجّذَني صَرْفُ الزّمَانِ وَوُقّرَتْ * * * على الحلم نفسي وانقضى نزوانها
تَرُومُ العِدا أنْ تُسْتَلانَ حَمِيّتي * * * وقبلهـمُ أعـدى علـيَّ حرانها
أنَا الرّجُلُ الألْوَى الذي تَعرِفُونَهُ * * * إذا نُـوَبُ الأيّـامِ أُلقِي جِرَانُهَا
إذا كان غيري من قريشٍ هجينها * * * فـإنّي على رغـمِ العدوّ هجانها
..........................................
عَلاَ حاجِبَيَّ الشَّيْبُ حتّى كأنّه * * * ظباءٌ جرت منها سنيح وبارحُ
فأصبحتُ لا أبتـاعُ إلا مؤامراً * * * ومـا بيعُ من يبتاعُ مثليَ رابحُ
..........................................
لـون الشبيبة أنصـل الألوان * * * وَالشّيبُ جُـلُّ عَمَائِمِ الفِتْيَانِ
نَبتٌ بأعلَى الرّأسِ يَرْعاهُ الرّدى * * * رَعْيَ المَطِيّ مَنابـِتَ الغِيطانِ
الشّيبُ أحسن غير أنّ غضارة * * * للمَرْءِ في وَرَقِ الشّبَابِ الآني
وكـذا بياض الناظرين وإنّمـا * * * بِسَوَادِهَـا تَتَأمّـلُ العَيْنَـانِ
لهفي على زمن مضى وكأنّني * * * مِنْ بَعدِهِ كَـلٌّ عَلى الأزْمَانِ
..........................................
بان الشبابُ وأَمْسَى الشَّيْبُ قد أَزِفَا * * * ولا أرى لشبابٍ ذاهبٍ خلَفا
عاد السـوادُ بياضاً في مفارقـهِ * * * لا مرحباً هابذا اللونِ الذي ردفا
في كـلِّ يـومٍ أرى منه مبيِّنة ً * * * تكاد تُسْقِطُ منِّي مُنَّـة ًأَسَفَا
ليت الشَّبَـابَ حَلِيفٌ لا يُزَايِلُنا * * * بل ليته ارتدّ منه بعضُ ماسلفا
..........................................
أراعي بلوغ الشيب والشيب دائيا * * * وأفـني الليالي والليالي فنائيا
وَمَا أدّعي أنّي بَرِىء ٌ مِنَ الهَوَى * * * ولكنني لا يعلم القوم ما بيا
تَلَوّنَ رَأسِي ، وَالرّجَـاءُ بحَالِـهِ * * * وَفي كُلّ حَالٍ لا تَغُبّ الأمَانِيَا
..........................................
غَيَّرَتْهُ غِيَـرُ الدَّهْـرِ فشـابْ * * * ورمته كـلُّ خود باجتناب
فغـدا عنـد الغـواني ساقطـاً * * * كسقوط الصفر من عد الحساب
وتولى عنـه شيطـانُ الصبـا * * * إذ رماه الشيبُ رجماً بشهاب
وكـأنَّ الشَّعَـرَ منـه سَعَـفٌ * * * يلتظي فيه شواظٌ ذو التهاب
أيهـا المُغْـرِى بِتأنِيـبِ شـجٍ* * * سُلّطَ الوجد عليه ، هل أناب؟
هامَ ، لا همتَ ، من الغيد بمـن * * * حبّها عذبٌ ، وإن كان عذاب
لمتَ ، لا لمتَ ، عميـداً قلبـهُ * * * عن سماعِ اللوم فيها ذو انقلاب
والهوى بـاقٍ مـع المـرء إذا * * * كان من عصرِ الصِّبا عنه ذهاب
..........................................
وإذا المشيب بدا به كافـوره * * * كَفَرتْ بـه فكأنَّه الطَّاغوت
ولربّ مُنْتَهِبِ المدى يجري بـه * * * عرقٌ عريقٌ في الجيادِ وَلِيت
..........................................
والَهْفَتِي ونُضُوبُ الشَّيْبِ أَغْلاهُ * * * منه السَّوابِقُ حُزْناً في حناياهُ
لَم أَدْرِ مـا يَدُه حـتىَ رَشَّفَه * * * فَمُ المَشِيبِ على رَغْمِى فأَفْناهُ
قالوا تَحرَّرْتَ مِنْ قَيْدِ المِلاحِ فعِشْ * * * حُراً فَفِي الأَسْرِ ذُلٌ كُنتَ تَأباهُ
فقُلْتُ يـا لَيْتَه دامَتْ صَرامَتُه * * * ما كان أَرْفَقه عندي وأَحْتاهُ
بُدِّلْتُ منـه بقَيْـدٍ لَسْتُ أفْلَتُه * * * وكيف أفْلَتُ قَيْداً صاغَهُ اللهُ
أَسْرَى الصَّبابَة ِ أَحْياءٌ وإنْ جَهِدُوا * * * أَمّا المَشِيبُ ففِي الأَمْواتِ أَسْراهُ
..........................................
كفى حزناً أن الشباب معجلٌ * * * قصيرُ الليالي والمشيب مخلّد
إذا حَلَّ جَارَى المرء شأْوَ حياته * * * إلى أن يضم المرءَ والشيبَ ملحد
أرى الدهرَ أجْرَى ليله ونهاره * * * كَمَا أنَّه وِتْرٌ ـ إذا عُدَّ ـ سُؤْددُ
وجار على ليلِ الشباب فضامَه * * * نهارُ مشيبٍ سرمد ليس ينفد
وعزاك عن ليل الشباب معاشرٌ * * * فقالوا : نهارُ الشيب أهدى وأرشدُ
وإن سُلَّ منها فالْفَرائضُ تُرْعَدُ * * * ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
أقول، وقد شابتْ شَوَاتِي وَقَوَّسَتْ * * * قناتي وأضْحَت كِدْنِتي تَتَخدَّدُ
ودبّ كلالٌ فـي عظامي أدبَّني* * * ويوصف إلا أنـه لا يُحَدّدُ
وبورك طرْفي فالشخوص حياله * * * قَرَائن من أدنى مدى ً وَهْيَ فُرَّدُ
بحيث يراعيه الأَصَلُّ الخَفَيْ دَدُ * * * سليمى وريّا عن حديثي ومهددُ
وبُدِّل إعجـاب الغواني تعجباً * * * وَهُنَّ الرزايا بادئا تٌوعُـوَّدُ
لِمَا تُؤذن الدنيا به من صروفها * * * يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيـه منها وإنـها * * * وماليَ إلاَّ كفُّهـا مُتَوَسَّـدُ
إذا أبصر الدنيـا استهل كأنه * * * بما سوف يلقى من أذاها يُهَدَّدُ
وللنفس أحْـوال تظلُّ كأنهـا * * * تشاهِد فيها كلَّ غيب سيُشهَدُ
لعبتُ بأولى الدهر فاغْتَال شِرَّتي * * * بأخرَى حقودٍ والجرائم تحقد
فصبراً على ما اشتدّ منه فانمأ * * * يقوم لما يشتد مـن يَتَشدَّدُ
تذيق الفتى طوْرَى رخاء وشدة * * * حوادثهُ والحولُ بالحولِ يُطرد
ومالي عزاء عن شبابي علمتُه * * * سوى أنني من بعده لا أُخَلَّدُ
وأن مَشِيبي واعـدٌ بلَحَاقـه * * * وإنْ قال قـوم إنه يَتَوَعَّدُ
..........................................
لا تَلْحَ مـَنْ يبكي شبيبته * * * إلا إذا لـم يبكهـا بـدمِ
عيْبُ الشبية غَولُ سَكْرتِهـا * * * مقدارَ مـا فيهـا من النِّعم
لسنـا نراهـا حـقَّ رُؤيتهـا * * * إلا زمـان الشيـب والهرم
كالشمسِ لا تبدو فَضِيلتُهـا * * * حـتى تَغَشَّى الأرضُ بالظُّلم
ولــرب شـئ لا يبيّنـه * * * وجدانُـه إلا مـع العـدم
..........................................
رأيت سواد الرأس والله وتحته * * * كليْلٍ وحُلمٍ باتَ رائيه ينعمُ
فلما اضمحلّ الليلُ زال نعيمُه * * * فلم يبق إلا عهده المتوهم
............................................
نَفَى همُّ شيبي سرورَ الشبابِ * * * لقد أظلـمَ الشيبُ لمّـا أضاءَ
قضيتُ لظلَ الصبـا بالزوال * * * لمّـا تحـوّلَ عنّـي وفاءَ
أتعرفُ لي عن شبابي سُلُـوّا * * * ومَن يجدِ الداءِ يبغٍ الدواءَ
أأكسو المشيبَ سوادَ الخضابِ * * * فأجعلَ للصبح ليلاً غطاء
وكيفَ أُرَجِّي وفاءَ الخضاب * * * إذا لم أجِدْ لشبـابي وفاءَ
وريحٍ خفيفة ِ رَوْحِ النسيـمِ * * * أطلتْ بليل وهبّت رُخاء
سرت وحياها شقيق الحيـاة ِ * * * على ميِّتِ الأرضِ تُبْكِي السماءَ
..........................................
جارَ المَشيبُ على رأسِي فَغَيَّرَهُ * * * لَّما رأى عَندَنا الحُكَّامَ قَدْ جَارُوا
كَأنَّما جُنَّ لَيْلٌ في مَفارِقِـهِ * * * فَاعْتاقَهُ مِنْء بياضِ الصُّبحِ إسْفارُ
.......................................
نسجَ المشيبُ له لفاعاً مغدقا * * * يققاً فقنعَ مدرويهِ ونصفا
نظرُ الزمـانِ إليه قطعَ دونهُ * * * نظرَ الشقيقِ تحسراً وتلهفا
ما اسوَدَّ حتَّى ابيَضَّ كَالكَرمِ الذي* * * لم يَأْنِ حتَّى جِيءَ كَيْمَا يُقْطَفا
..........................................
سَئِمْتُ مِنَ المُوَاصَلَة ِ العِتَابَا * * * وَأمسَى الشَّيبُ قَدوَرِثَ الشّبابَا
........................................
أتصحو بل فؤادكَ غيرُ صاح * * * عشية َهمَّ صحبكَ بالرواحِ
يقُولُ العاذلاتُ : عَلاكَ شَيْبٌ، * * * أهذا الشيبُ يمنعني مراحي
..................................
تَعَجَّبُ أنْ نَاصى َبيَ الشيْبُ وارْتقى* * * َإلى الرأسِ حتى ابيضّ مني السائح
فقَدْ جَعَلَ المَفرُوكَ لا نامَ ليْلُهُ* * * يحبُّ حديثـي والغيـورُ المشايح
.....................................
إِنَّ المشِيبَ رِداءُ الحِلمِ والأَدبِ * * * كما الشبابُ رداءُ اللَّهوِ واللعبِ
تَعجَّبَتْ أَنْ رَأَتْ شَيْبي فقُلتُ لها:* * * لا تعجبي، مَنْ يطُلْ عمر بهِ يَشِبِ
شَيبُ الرِّجالِ لَهمْ زَينٌ وَمَكْرُمَة ٌ * * * وشيبكنَّ لكنَّ العـارُ فاكتئبي
فينا لكنَّ ، وإن شيبٌ بَدا ،أربٌ * * * وَلَيسَ فيكُنَّ بَعد الشَّيبِ مِن أربِ
............................................
أينَ الشَّبـابُ ؟ وأَيَّة ٌسَلَكَـا * * * لاَ ، أَينَ يُطْلَبُ ؟ ضَلَّ بَلْ هَلَكا
لا تَعجَبي يـا سَلمُ مِن رَجُل ٍ* * * ضحكَ المشيـبُ برأسـهِ فبكى
قدْ كانَ يضحكُ في شيبتـهِ * * * وَأَتـَى المشيبُ فقلَّمـا ضَحِكَا
يا سلمَ ما بالشَّيبِ منقصـة ُ * * * لا سُوقَـة ً يُبْقـي وَلاَ مَلِكا
..........................................
أتطربُ حين لاحَ بكَ المشيبُ * * * وذَلكَ إنْ عَجبتَ هوى ًعَجيبُ
............................................
ليتَ الشبابَ بنا حلتْ رواحله،* * * وأصبحَ الشيبُ عنا اليومَ منتقلا
أَوْدَى الشَّبابَ وأَمْسَى المَوْتُ يَخْلُفُهُ* * * لا مرحباً بمحلّ الشيبِ إذْ نزلا
أَمْسَى شَبَابُكَ عَنَّا الغَضُّ قَدْ رَحَلا * * * وَلاَحَ في الرَّأْسِ شَيْبٌ، حَلَّفَ اشْتَعَلا
إنَّ الشَّبَابَ ، الَّذِي كُنَّا نُزَنُّ بِهِ،* * * وَلَّى ، وَلَمْنَقْضِ مِنْ لَذَّاتِهِ أَمَلاَ
ولى الشبابُ حميـاً غيرَ مرتجعٍ، * * * واستبدل الرأسُ مني شرّ ما بدلا
شَيْبٌ تَفَرَّعَ أَبْكَاني مَوَاضِحُهُ * * * أضحى وحالَ سوادُ الرأس فانتقلا
...........................................
إنَّ الشبابَ جُنونٌ شَرْخُ باطِلِهِ * * * يُقيمُ غضّاً زمانـاً ثمّ ينكشف
من يعله الشيب لم يحدث له عظةً* * * فذاك من سوسه الإفراط والعنف
.......................................
أيامَ عمري في سنيَّ ، ورتبتي * * * مني، وسلطاني على حدقِ المها
و جهلتُ ما جهلَ الفتى زمنَ الصبا * * * فالآنَ قد وَعَظَ المَشيبُ وفَوّهَا
...................................
فَأَهْلاً وَسَهْـلاً بِضَيـْفٍ نَزَلْ * * * وَأَسْتَوْدِعُ اللَه إِلفـا رَحَـلْ
تولى الشباب كـأن لم يكـن * * * وحـلَّ المشيب كأن لـم يزل
فأمـا المشيب كصبـح بـدا * * * وَأَمَّـا الشَّبـابُ فَبَـدْرٌ أَفَلْ
سقـى الله ذاك وهـذا معـاً * * * فَنِعْـمَ المُوَلِّـي وَنِعْـمَ البَدَل
........................................
عدلَ المشيبُ على الشبابِ ولم يكن * * * مِـنْ كَبْـرَة ٍ لكنَّهُ من يَاسِ
أثرُ المطالبِ في الفـؤادِ وإنمـا * * * أثرُ السنينَ ووسمها في الراسِ
فالآنَ حِينَ غَرسْتُ في كَرَمِ الثَّرَى * * * تلكَ المنى وبنيتُ فوقَ أساس .
.......................................