عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 08-20-2009, 08:31 AM
الصورة الرمزية الشاعر أبو رواحة الموري
المشرف العام - وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
الدولة: السعوديه - جدة
المشاركات: 1,758
الشاعر أبو رواحة الموري will become famous soon enough
Untitled 308 نبذة يسيرة من حياة أحد أعلام الجزيرة" الإمام الوادعي رحمه الله بقلم أبي همام الصومعي البيضاني


بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فهذه ترجمة مطولة للشيخ المحدِّث العلامة إمام أهل السنة مجدد القرن في بلاد اليمن السعيد (مقبل بن هادي الوادعي) قدس الله روحه وأعلى درجاته ، بقلم تلميذه "أبي همام محمد بن علي بن أحمد فرج الصومعي البيضاني" حفظه الله ، سماها "نبذة يسيرة من حياة أحد أعلام الجزيرة" وقدم له فيها الشيخ المحدث "يحيى الحجوري" حفظه الله .
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة فضيلة الشيخ / يحيى بن علي الحجوري
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد :
فقد رفع الله سبحانه وتعالى شأن العلماء الناصحين العاملين بعلمهم فقال تعالى : )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ( وقالتعالى : )شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ( وجعلهم مئاباً للناس عند حلول المشكلات وحوالك المعضلات فقال تعالى: )وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ( . وقال عزوجل : )فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ( فبالعلماء العاملين ينقذ الله الأمم من ظلمات الجهالة ويبصرهم عن الوقوع في عماية الضلالة وبالله كم في فقدانهم من أضرار ومن تلاطم فتن وأخطار قد أبانها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله " إن الله لا ينزع العلم انتزاعاً من الصدور ولكن ينتزعه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ". هذا وإن الناظر إلى أي بلد حُرم العلم والتعليم والدعوة إلى كتابالله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليرى بعد ضلالهم وانحطاط أخلاقهم وأفكارهم .
ولقد ذاقت البلاد اليمنية حرسها الله من كل سوء صنوفاً من البلايا وأنواعاً من الرزايا بسبب سيطرة الجهل والدعوات المنحرفة عن جادة الطريق المستقيم .
فجاس التشيع والتصوف خلال البلاد وعاث فيها بالشركيات والبدع وشتى أنواع الفساد فقيض الله عز وجل عدداً من رجال الحديث بين الحين والآخر إلى كتاب الله وسنة رسوله يدعون وعن ضده ينهون وينأون ومن أبرز أولئك الأفذاذ شيخنا العلامة الغيور على دين الله الصادع بالحق الصادق اللهجة القوي الحجة فجند نفسه ووهب عمره لوجه الله عز وجل فينصره دينه والذب عن كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
ولقد خرج شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي تغمده الله برحمته وكثير من الناس يخبطون خبط عشواء وتجري عقولهم في اقتناص مصالحهم على غير السواء فجدد الله به في البلاد أمر دينها وحمى به جناب السنة وعرينها فشمر عن ساعد الجد بتشييد علوم كتاب الله وسنة رسوله وتبينها وتزييف تلك الضلالات وتوهينها فعلّم وصنف ودعا إلى الله عز وجل بكل ثبات ويقين وفضح الله به الزنادقة والملحدين والمبتدعة الضلال والمتهورين حتى كان محل ثقة المسلمين الرحال وقطعوا السهول والجبال فأحياه الله حياة طيبة مزدهرة بالعلم والتعلم والنصح والتوجيه والفتوى والبيان والزهد في الدنيا والأعراض عنها والجد في أمور الآخرة والسعي لها وختم له بخاتمة حسنة غبطة عليها الصلحاء الأخيار حيث وافته المنية بعد جهاد في الله ونصرة دينه وتحقيق توحيده عشرات السنين.
وصلى عليه في المسجد الحرام ألاف الأبرار الموحدين وقد اخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" .
هذا ولقد قام عدد من أفاضل طلاب شيخنا أبي عبد الرحمن الوادعي رحمه الله بتراجم له حافلة بين موسعه ومختصره , ذكروا فيها مناقبه وعلومه وكرمه وزهده وبذله وصبره ومحبته للسنة وبغضه للمبتدعة مما لا يتسع المجال لذكر بعضه هنا ومن بين من ترجم له أخونا الفاضل السني السلفي الداعي إلى الله الناصح الشهم العفيف الكاتب البصير أبو همام محمد بن علي البيضاني الصومعي حفظه الله برعايته وجعله في بالغ لطفه وعنايته ومن مميزات هذه الترجمة على بعض التراجم المذكورة وإن لم تكن بأوسع ولا أبلغ من بعضهن إلا أن أخانا أبا همام طرزها بردود متينة على بعض من طاشت أقلامهم وزلت أقدامهم وضلت أفهامهم بالطعن على شيخنا العلامة النحرير والمحدث الفقيه الكبير مقبل بن هادي رحمه الله فجزى الله أخانا أبا همام كل خير ودفع عنه كل سوء وضير.
وكتب يحيى بن عليالحجوري
19 / رجب / عام 1422 للهجرة النبوية
على صاحبها صلوات الله وسلامه
مقدمــة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"
وإن موت العلماء يعتبر نكبة على الأمة الإسلامية لأن في بقائهم الخير لهذه الأمة أما: عند ذهابهم فإن الشرور تكثر وأهل الباطل بجميع أصنافهم يجدون سبيلاً لترويج باطلهم لأنهم عند وجود العلماء يكونون خامدين مدحورين وعند وفاة أولي العلم يكثر الخلاف والفرقة لأن الجهال يتصدرون ويريدون أن يكونوا هم العلماء هم أهل الفتوى هم المرجعية والله المستعان .
وان الأمة الإسلامية قد فقدت عالماً من هؤلاء العلماء فقدت عالماً مجاهداً مجدداً إنه العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله الذي وافانا خبر وفاته في ليلة الأحد الأول من شهر جمادى الأولى سنة اثنين وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة, فرحم الله أبا عبد الرحمن واسكنه الفردوس الأعلى .
مكث في اليمن أكثر من عشرين عاماً في التدريس والدعوة والتأليف دحض الله به البدع وأقام به السنة وقمع به التشيع والتصوف والتحزب لقد كان شجاً في حلوق أهل الباطل جميعاً .
وفد هذا العلامة اليمن سيما بلده صعدة والناس تحت وطأة الرفض والتشيع فبين لهم السنة من البدعة وبين لهم المنهج السلفي ودعاهم إليه وحذرهم من مناهج أهل البدع فصاروا لهم ناصرين إلا من استحب العمى على الهدى وقليل ما هم .
وجدهم يطوفون بالقبور ويستغيثون بأهلها ويذبحون لهم فبين لهم أن هذا العمل شرك لا يغفره الله وأن من مات مصراً على ذلك مات كافراً إلا أن يتوب .
أسس دار الحديث السلفية وعلم وصبر على تعليم الناس فتخرج على يديه الجم الغفير من العلماء والدعاة وحفظة القرآن والسنة يدعون إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ومع هذا النفع العظيم الذي كان أبو عبد الرحمن سبباً في وجوده مع هذا كله كان أبو عبد الرحمن يقول: كل هذا لا بحول منا ولا قوةولا بسبب كثرة علمنا ولا شجاعتنا ولا فصاحتنا في الخطابة ولكن أمر أراده الله أنيكون فكان ولله الحمد والمنة الذي وفقنا لذلك .
فرحم الله أبا عبد الرحمن لقد افتقده أهل اليمن خاصة والعالم الإسلامي عامة وقد تذكرت أبياتاً كان رحمه الله يتمثل بها فإنه كان يحب مناقشة طلابه في دروسه فسأل مرة عن بعض طلابه فلم يكونوا موجودين فطفق يقول:
سيذكرني قومي إذا جد جدهموا * * * وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

فرحمك الله وجزاك خيراً ما جزا عالماً عن طلابه ومع هذا فقدكان أبو عبد الرحمن يعلم طلبته على أن يعلقوا الدعوة بالله وأن لا يعلقوها بشخص فقد سمعته يقول في 18/3/1420هـ في أحد دروسه [ لا تعلقوا الدعوة بشخص وأنه لو مات ماتت الدعوة علقوها بالله]

وعلى كل فإن الله سبحانه وتعالى : قد حكم على جميع خلقه بالفناء حتى أنبياءه صلوات الله وسلامه عليهم قال تعالى: )كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} وقال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ( .

هذا وإني قد كنت شرعت في كتابة هذه الترجمة بمكة المكرمة قبل وفاته عندما كان نزيلاً بها فترة علاجه ثم رجعت إلى دماج فلما جاءنا خبر وفاته اجتهدت في إكمالها وهذا من حقه علينا فإن [ للعلماء علينا من الحقوق ما تركه يتم العقوق ومن رعايتهم ضبط أحوالهم الشريفة وتدوين مناقبهم المنيفة وتقليد محاسنهم في بطون الأوراق والمحافظة على حفظ نتائج أفكارهم التي هي من أنفس الأعلاق ومن ذلك تعظيمهم باللسان والجنان والأركان وعدم التعرض لما يؤذيهم بالدخول في أعراضهم والاستهانة بمناقبهم الجزيلة الجليلة والتقعد لهم بمراصد الاستخفاف والتنصب لهم بمنصة الخلاف] .

وقد ورد في الآيات الفرقانية والأحاديث النبوية والآثار المصطفوية ما يقتضي النهي عن ذلك وتغطي بمن عمل به أيمنالمسالك" .

وقد اشتملت هذه الترجمة على أمور وهي: (اسم الشيخ)(نسبه) (بداية طلبه للعلم) (رحلته) (عودته إلى اليمن) (رجوعه إلى أرض الحرمين ونجد) (دراسته بالجامعة) (سجنه) (ترحيله) (وصوله إلى اليمن) (بداية الدعوة) (آثاره العلمية ) (شيوخه) . (طلبته ) (شجاعته) (حرصه على طلاب العلم) (عزة نفسه وعفته) (صبره وزهده) و(كرمه ) (تواضعه) و( ورعه ) (حرصه على الدعوة) (حرصه على العلم ) ومراجعته ( أعداؤه ) (زوجاته) (حياته العائلية) (فوائد من مجالسه) .
وما لا يدرك جله لا يترك كله وأسأل الله العلي القدير أن يرحم شيخنا وأن يتجاوز عنه وأن يسكنه فسيح جناته إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه أبو همام
محمد بن علي بن أحمد فرج
الصومعي البيضاني
مكة المكرمة




***
نسبه
هو الشيخ العلامة المحدث / مقبل بن هادي بن قايدة (1)الهمداني الوادعي الخلالي من قبيلة آل راشد
بداية طلبه العلم
بدأ شيخنا رحمه الله تعالى طلب العلم في المكتب فتعلم فترة ثم انقطع عن مواصلة العلم والسبب في ذلك أنه لم يجد معيناً يعينه على مواصلة طلب العلم .
قال رحمه الله درست في المكتب ثم ضاع من العمر ما شاء الله في غير طلب لأنه ماكان هنالك من يرغب أو يساعد على الطلب.
سفره إلى أرض الحرمين ونجد
ثم سافر شيخنا إلى أرض الحرمين ونجد وسكن بنجد قدر شهر ونصف فتغير عليه الجو بالرياض فعزم على السفر إلى مكة فاستنصح بعض الواعظين عن الكتب المفيدة حتى يقوم بشرائها فأرشده إلى (صحيح البخاري) – و(بلوغ المرام) – و(رياض الصالحين) و(فتح المجيد) – وكان يعمل آن ذاك حارساً على عمارة في الحجون (4) فعكف على هذه الكتب يقرءها وكانت تعْلق في ذهنه لأن العمل في بلده كان على خلاف ما فيها سيما كتاب فتح المجيد كما ذكر ذلك هو نفسه.
عودته إلى بلده
ثم عاد شيخنا إلى بلده وبدأ بإنكار المنكر الذي وجد قومه عليه من الذبح لغير الله وبناء القباب على القبور ونداء الأموات والاستغاثة بهم فبلغ ذلك الشيعة فأغاظهم ذلك فقائل منهم يقول"من بدَّل دينه فاقتلوه" ومنهم من يرسل إلى أقربائه ويقول: إن لم تمنعوه فسنسجنه وبعد المضايقات وبعد التهديد والوعيد الشديد من قبل الشيعة الذين يرون أن أبا عبدالرحمن قد بدل دينه وأنه إن لم يرجع عن عقيدة التوحيد فسوف يقتل لأن من دعا إلى التوحيد عند الشيعة وأضرابهم فقد بدل دينه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وبعد هذا وذاك قرروا قراراً لم يستطع أبو عبد الرحمن الفرار منه قرروا أن يدخلوه جامع الهادي ,ليتعلم هنالك حتى يزيحوا الشبه التي قد علقت في ذهنه بزعمهم وهذا ابتلاء لأبي عبدالرحمن رحمه الله بعد ما عرف العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح يزج به في وكرٍ من أوكار التشيع ولكنَّ أبا عبد الرحمن بفضل الله عز وجل ثم بسبب عقيدته السليمة عندما رأى أن الكتب التي تدرس عندهم شيعية معتزلية أقبل على النحو يتعلمه وإن كان أهل البدع بجميع أصنافهم يدسون العقيدة الفاسدة في اللغة العربية إلا أن الله سبحانه وتعالى حفظ أبا عبد الرحمن من هذه المكيدة فدرس " قطر الندى " لابن هشام مراراً حتى استوعبه استيعاباً عجيباً لكثرة ما درسه وراجعه
عودته إلى أرض الحرمين
ثم عاد أبو عبد الرحمن رحمه الله إلى أرض الحرمين إلا أنه قبل ذلك نزل نجران وسكن فيها قدر سنتين ولازم فيها مجد الدين المؤيد ثم انطلق إلى مكة فكان يعمل نهاراً ويدرس ليلاً.
دخوله معهد الحرم
ثم فتح معهد الحرم فتقدم شيخنا رحمه الله مع مجموعة من طلبة العلم للاختبار فنجح بفضل الله تعالى .
انتقاله إلى المدينة النبوية
وعندما انتهى شيخنا رحمه الله من المتوسط والثانوية انتقل إلى المدينة النبوية ودخل الجامعة الإسلامية وأختار كلية الدعوة وأصول الدين وعندما جاءت العطلة خشي من ضياع الوقت فانتسب في كلية الشريعة وانتهى من الكليتين وأخذ شهادتين والمعتبر عنده هو العلم لا الشهادة كما كان يردد ذلك في كثير من دروسه .
حصوله على الماجستير
ثم فتحت آنذاك في الجامعة الإسلامية دراسة الماجستير فتقدم لاختبار المقابلة فنجح بفضل الله وكانت الدراسة التي أعدها لنيل شهادة الماجستير هي تحقيق كتاب الالزامات والتتبع للإمام الدارقطني رحمه الله وهذه المناقشة سجلت على أشرطة ثم فرغت وطبعت ضمن كتابه غارةا لأشرطة على أهل الجهل والسفسطة .
وصوله إلى اليمن
وعندما وصل هذا العالم الجليل والمجاهد النبيل إلى بلده أخذ يدرس في قريته الأولاد القرآن الكريم وتكالبت عليه الدنيا كأنه خرج لخراب البلاد كيف لا وأهل الرفض يحيطون به من كل جانب ويرون أنه ممن بدل دينه وأنه إما أن يرجع عن عقيدته وإما أن يقتل وكان في ذلك الوقت وحيداً بمفرده لا يعرف أحداً لا يعرف شيخ قبيلة ولا يعرف مسؤولاً وإنما كانت كلمته التي يرددها حسبي الله ونعم الوكيل .
وبعد أيام أخرج بعض فاعلي الخير مكتبته من المدينة ولم يستلمها إلا بعد غرامة مالية وتعب تعباً شديداً فعندما وصلت ذهب الشيعة إلى المسؤولين وقالوا إنها كتب وهابية حتى إن الخبر وصل إلى الرئيس وأحال الرئيس القضية إلى أحد المسؤولين ثم سلمت له .
إشراقة أمل
ثم بدأت الدعوة السلفية دعوة التوحيد دعوة الحق تشع بنورها رغم أنوف الحاسدين والحاقدين من شيعية وصوفية وعلمانية بجميع أصنافها بدأت تنطلق من قرية صغيرة تحيطها الجبال ولكن شعاع هذه الدعوة المباركة بدء ينتشر ويكتسح الباطل بدء هذا الحق يرتفع ويحطمُ البدعَ والخرافات ويضيء للناس الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه أنه لا ذبح إلا لله لاعبادة إلا لله – لا نذر إلا لله – لا حكم إلا لله لا ولاء إلا لله – ولا براء – إلامن أجل الله – لا دعوة إلا إلى الله – وإلى كتابه – وإلى سنة رسوله جاء أبو عبدالرحمن والناس في اليمن تحت وطئة الرفض والتشيع لا يستطيعون أن يحرروا أنفسهم من هذه الوطئة وهذا الاستعباد ولقد سمعت رجلاً من أهل دماج وأنا راكب في سيارة أثناء ذهابي إلى صعدة يقول لأحد الشيعة (لقد حرَّرَنا الشيخُ مقبلٌ ) .
جاء أبو عبد الرحمن وأهل دماج كانوا يذبحون لغير الله في مكان يقال له "الملاطة" فنهاهم وحذرهم وتركوا وكانوا يذهبون إلى قبر الهادي بصعدة ويدعونه من دون الله فبين لهم الحق وأن هذا لايجوز وأنه شرك لا يغفره الله فانتهوا ثم بدء الناسُ يسمعون عن دعوة تدعو إلى التوحيد وأنه لا إله إلا الله لا معبود بحقٍ إلا الله.
سمعوا بهذا العلامة الإمام فشمروا عن ساعد الجد ورحلوا إليه ليأخذوا عنه العلم جاءوا من مصر والكويت وأرض الحرمين ونجد وليبيا والجزائر والمغرب وتركيا وبريطانيا وأمريكا والصومال وبلجيكا ومن جميع البلاد اليمنية وكان المسجد صغيراً بناه أقرباء الشيخ له لكي يصلوا فيه درءاً للفتنة ثم بنيت عدة مساجد بعده كلما ضاق مسجد بنوا آخر ثم جعلت المساجد القديمة لصالح الدعوة منها ما هو سكن وآخر يدرس فيه النساء وآخر مكتبه وآخرمطبخ وآخر لإقامة الدروس وآخر لاستقبال الضيوف وآخر لحاجيات الطلاب وهكذا .
حتى صار عدد الطلاب أكثر من ألفي طالب ومع هذا فأبو عبد الرحمن دائماً يكرِّر ويقول : كل هذا لا بحول منا ولا قوة ولا بسبب كثرة علمنا ولا شجاعتنا ولا فصاحتنا في الخطابة ولكن هذا أمر أراد الله أن يكون فكان ولله الحمد والمنه الذي وفقنا لذلك .
آثاره العلمية
ولهذا العالم المجاهد آثار علمية هائلة جنى اليمنيون بل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ثمارها من المؤلفات القيمة النافعة التي يستفيد منها المبتدئ ولا يستغنى عنها المنتهي كذلك طلابه في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها وهذه مؤلفاته المطبوعة فدونكها:
1-الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين.
2-تراجم رجال الحاكم في المستدرك.
3- تتبع أوهام الحاكم التي سكت عليها الذهبي طبعت ضمن المستدرك.
4-تراجم رجال الدارقطني في سننه .
5-الصحيح المسند من دلائل النبوة .
6- غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل .
7- الجامع الصحيح في القدر .
8-صعقة الزلزال لنسف أباطيل الرفض والاعتزال (8)
9- إجابة السائل عن أهم المسائل .
10- الشفاعة .
11-رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ومعه الطليعة في الرد على غلاة الشيعة وحكم القبة المبنية على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم .
12-تحفة الأريب على أسئلة الحاضر والغريب .
13-المخرج من الفتنة .
14-الصحيح المسند من أسباب النزول (3)
15-ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر.
16-المصارعة .
17- الإلحاد الخميني في أرضالحرمين .
18-الباعث على شرح الحوادث .
19-إرشاد ذوي الفطن لإبعاد غلاة الروافض من اليمن .
20- الجامع الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين .
21- غارة الأشرطة على أهل الجهل والسفسطة .
22- الفواكه الجنية في الخطب والمحاضرات السنية .
23- قمع المعاند وزجر الحاقد الحاسد .
24- مجموعة الرسائل العلمية تحتوي على ما يلي:
1- شرعية الصلاة في النعال 2- تحريم الخضاب بالسواد 3– الجمع بين الصلاتين في السفر 4– إيضاح المقال في أسباب الزلزال والرد على الملاحدة الضلال 5– ذمالمسألة .
25- تحفة الشاب الرباني في الرد على الإمام محمد بن علي الشوكاني .
26- فتوى في وحدة المسلمين مع الكفار (6)
27-إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان
28-الديباج في مراثي شيخ الإسلام الشيخ عبد العزيز ابن باز .
29- حكم تصوير ذوات الأرواح .
30-المقترح في أجوبة أسئلة المصطلح.
31- فضائح ونصائح .
32- مقتل الشيخ جميل الرحمن الأفغاني ومعه بحث حول كلمة وهابي .
33-إسكات الكلب العاوي .
34- تحقيق تفسير ابن كثير حقق مجلداً وما بقي قام بتحقيقه بعض طلبته .
35-الصحيح المسند من التفسير بالمأثور ولم ينته منه وتقوم إحدى زوجاته بإكماله .
36- كتاب الإلزامات والتتبع للإمام الدارقطني دراسة وتحقيق .
فهذه ثروة علمية هائلة خلفها أبو عبد الرحمن الوادعي رحمه الله تعالى للأمة الإسلامية عامة ولطلبته العلم خاصة فقد أفنى عمره في التدريس والدعوة والتأليف فرحم الله أبا عبد الرحمن .
مشايخـه
أخذ أبو عبدالرحمن العلم على مشايخ أجلاء من أعلام هذا العصر وقد ذكرهم في ترجمته التي لاتتجاوز ست ورقات في مواضع متفرقة وسأذكرهم في هذه السطور على النحو التالي :
1- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله مفتى عام المملكة ورئيس هيئة كبارالعلماء ورئيس البحوث العلمية والإفتاء. درس عليه في الحرم المدني في صحيح مسلم .
2-الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله كان يحضر له في مجالسه الخاصة وله نقاشات متعددة معه .
3-الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله .
4-الشيخ محمدالسبيل حفظه الله .
5-الشيخ عبد العزيز الراشد رحمه الله .
6-الشيخ يحيى الباكستاني حفظه الله درس عليه في تفسير ابن كثير وصحيح البخاري وصحيح مسلم في الحرم المكي .
7-الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي درس عليه في علم الحديث ومنه استفاد كثيراً في هذا العلم، مكث عنده نحو سبعة أشهر وكان ذلك في الحرم المكي .
8- الشيخ السيد محمد الحكيم المصري ، وهو أبرز من درسه في الجامعة الإسلامية .
9-الشيخ محمد بن عبد الوهاب فائد المصري ، درسه في الجامعة الإسلامية .
ودرس على بعض الشيعة في مسجد الهادي بصعدة .
قال رحمه الله في ترجمته عن دراسته في جامع الهادي ومدير الدراسة القاضي مطهر حنش فدرست في العقد الثمين وفي الثلاثين المسألة وشرحها لحابس ومن الذين درسونا محمد بن حسن المتميز وكنا في مسألة الرؤية فصار يسخر من ابن خزيمة وغيره من أئمة أهل السنة وأنا أكتم عقيدتي إلا أني ضعفت عن وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة وأرسلت يدي ودرسنا في متن الأزهار الى النكاح مفهوماً ومنطوقاً ... ثم طلبت من القاضي قاسم بن يحي شويل أن يدرسني في بلوغ المرام ... ودرست قطر الندى مراراً على إسماعيل حَطَبة .
قلت : وكذلك درس على مجد الدين المؤيد وقد مرَّ ذكره .
طلبته
أما طلبة أبي عبد الرحمن فكثير جداً لا استطيع جمعهم في هذه الرسالة لصغر حجمها فقد ذكر في ترجمته ثلاث مائة وأربعة وثلاثين طالباً وترك الكثير ولكن أذكر بعضهم .
- الشيخ العلامة المحدث محمد بن عبد الوهاب الوصابي العبدلي القائم على دار الحديث بالحديدة .
- الشيخ الفاضل يحيى بن علي الحجوري وهو خليفة الشيخ في دار الحديث السلفية بدماج وقد أوصى شيخنا قبيلته أن لا يرضوا بنزوله من على الكرسي فقال رحمه الله في وصيته لأقرباءه وأوصيهم بالشيخ الفاضل يحيى بن علي الحجوري خيراً وألا يرضوا بنزوله عن الكرسي فهو ناصح أمين.
- الشيخ الفاضل محمد بن عبد الله الريمي الملقب بالإمام القائم على دار الحديث بمعبر.
- الشيخ الفاضل عبد العزيز البرعي القائم على دار الحديث بمفرق حبيش .
وغيرهم كثير وإنما ذكرت هؤلاء لأنهم عُرفوا في أوساط المجتمع فلا ينقم علينا أحدٌ ومن أراد المزيد فليرجع إلى ترجمة أبي عبد الرحمن رحمه الله .
أما النساء فكثير وكثير جداً ومن أبرزهن :
1-أمُ عبد الله الوادعية بنت الشيخ رحمه الله تعالى ولها من المؤلفات نصيحتي للنساء والصحيح المسند من الشمائل المحمدية .
2-أمُ شعيب الوادعية زوجة الشيخ رحمه الله الثانية ولها من المؤلفات الصحيح المسند من فضائل آلبيت النبوة .
3- أم سلمة زوجة الشيخ رحمه الله الثالثة ولها من المؤلفات تحذيرالفتاة العفيفة من تلبيسات الزنداني الخبيثة وكتاب الانتصار لحقوق المؤمنات تحت الطبع .
وكل هؤلاء يقمن الدروس ويعلمن بدار الحديث السلفية بدماج.
شجاعته في إنكار المنكر
كان رحمه الله تعالى شجاعاً يقول كلمةالحق وينكر المنكر لا يخاف في الله لومة لائم ومن قرء كتبه عرف ذلك أو سمع أشرطته فهو يتكلم في البدع بجميع أصنافها والشرك والظلم والفساد بجميع أنواعه وإذا رأى منكراً أو سمع به لا يهدئ له بال ولا يقر له قرار حتى ينكره وله ردود رد فيها على أهل الباطل بجميع أصنافهم .
فقد رد في كتابه (المخرج من الفتنة) على أصحاب الحداثة - وعلى من يحكم بغير ما أنزل الله – وعلى الأباضية - وعلى أحمد مفتي عمان أحمد الخليلي - وعلى الزيدية - ورد على أنصار السنة بالسودان وبين أن في صفوفهم من يعتقد بعقيدة المعتزلة - وعلى جماعة التكفير - وعلى جماعة التبليغ وبين لهم أخطاءهم-وعلى الأخوان المسلمين .
ورد على الطاعنين في حديث السحر في رسالة عنوانها(ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر ) وكان مما قاله: فإني لما كنت بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغني أن بعض الناس ينكرون حديث السحر فقلت لمن أخبرني إنه في البخاري ومسلم فقال وهم ينكرونه فقلت بمن ضعفوه وكنت أظن أنهم يسلكون مسالك العلماء في النقد والتجريح لعلهم وجدوا في سنده من هو سيء الحفظ أو جاءموصولا ً والراجح أنه منقطع أو جاء مرفوعاً والراجح فيه الوقف كما هو شأن الحافظ الدارقطني رحمه الله في انتقاداته على الصحيحين فإذا هؤلاء الجاهلون أحقر من أن يسلكوا هذا المسلك... والميزان عند هؤلاء أهواؤهم فما وافق الهوى فهو الصحيح وإن كان من القصص الإسرائيلية أو مما لا أصل له وما خالف أهواءهم فهو الباطل ولو كان في الصحيحين .
ورد في رسالته (إيضاح المقال في أسباب الزلزال والرد على الملاحدة الضلال)، رد فيها على الملاحدة الذين يقولون إن الزلزال أحدثته الطبيعة.
وردفي رسالته (فتوى في وحدة المسلمين مع الكفار) على أصحاب الانتخابات وأصحاب الديموقراطية وبيَّن للمسؤولين وللمواطنين وللتجار ومشايخ القبائل ما هو واجبهم ثم بين حكم ما يسمونه بمجلس الأمة ورد - على عبد الرحيم الطحان في كتاب (إقامة البرهان على ضلال عبد الرحيم الطحان) .
عندما قال إن نظرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعدل عبادة آلاف السنين - وقوله إن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة في اليقظة ورد على أقوال أخرى من أراد المزيد فليرجع إليها .
ورد في كتابه (البركان) بين فيه الأخطاء الموجودة - في جامعة الإيمان بصنعاء ويليه كذلك (إسكات الكلب العاوي) رد فيه على القرضاوي عندما تهجم وأساء الأدب مع الرب سبحانه وتعالى .
ورد في كتابه (المصارعة) على المكارمة وفضح – الأباضية – والصوفية – ونصح فيه – الصحفيين - والعلماء – والدعاة – وأهل بيت النبوة – والمزارعين – والأمهات .
ورد في كتاب( صعقة الزلزال لنسف أباطيل الرفض والاعتزال) فضح فيها الرافضة ومنهجهم المعتزلي .
ورد في كتاب – ( رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ) على من يعادي السنة وأهل السنة أما أشرطته فكثيرة جداً .
فكان : رحمه الله لا يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال مرة كنت في الحرم في الدور الثاني في الحرم فوجدت الصوفية في حلقة يرقصون ويتمتمون بأذكارهم فدخلت وسط الحلقة وصحت وقلت بيوت الله تهان فسكتوا وجاء العسكري وفرقهم أقول ومع هذا فأبو عبد الرحمن رحمه الله لا يخشى أحداً إلا الله ولا يبالي فيمن تكلم فيه فقد قال رحمه الله في أحد دروسه بتاريخ 18/3/1420هـ من يريد أن ينصر الحق لا بد أن يتكلموا فيه .
حرصه على طلبة العلم
وكان رحمه الله حريصا على طلبة العلم وكان يحزن ويتوجع إذا علم أن طلبته يحتاجون شيئا ولم يستطيعوا الحصول عليه فقد قال رحمه الله في بعض دروسه : أعظم مشقة تواجهني أعظم من مواجهة المبتدعة وأعظم من التأليف هي حاجات الطلاب .
وكان أبو عبد الرحمن لا يبخل على طلابه بشيء فقد رأيته مرة بعد درس الظهر خرج من بيته ومعه صحن فيها أرز وإناء فيه لبن فأعطاه بعض الطلبة .
وكنت في يوم من الأيام فيبيته دعاني كي أتناول عنده طعام الغداء وبعد ما تغدينا سمعنا
طرق الباب فقام الشيخ ليفتح الباب وقمت معه كي أخرج فإذا ببعض طلبته يخبر الشيخ أن طلبة العلم تغدوا وهناك بعضهم لم يتغد فذهب إلى حجرته وأتى بمال وأعطاه الطلبة ليأخذوا لهم غداء .
ومررت يوما بجانب بيته فرأيت بعض طلبة العلم قائما فسألته ماذا تنتظرفقال أريد الشيخ أخبرته أنني قادم على زواج فأردت أن يساعدني بينما أنا اكلمه ناداه الشيخ إلى فناء بيته فلما خرج سألته قال أعطاني مبلغا من المال وقال لا يملك غيره ووعدني أن يعطيني كذلك مرة أخرى ثم جاء الطالب نفسه مرة أخرى وأعطاه ما وعده فرحم الله أبا عبد الرحمن .
وكان إذا خرج من الدرس بعد الظهر وجاء أحد يسئله عن سؤال قال له أدخل نتغدى ثم نتكلم
ومرة قدم له بعض طلبة العلم ورقة في أحد الدروس مكتوب فيها: أنا طالب علم وأحب العلم وعليّ دين وأخشى أن يصرفني عن طلب العلم وبعدما قرءها الشيخ أخذ يدرس وقبل الإنتهاء من الدرس قال: في مكبر الصوت الأخ الذي قدم الورقة يذهب إلى الأخ فلان ويقول له كم دينه وننظر هل نستطيع مساعدته .
ومرة دخلت أنا وبعض طلبة العلم عليه بعد صلاة الفجر إلى منزله وكان معنا طالب وكناحريصين على تزويج هذا الطالب فقلنا للشيخ كلمه يا شيخ فقال الشيخ: يا بني تزوج وإذاكان المال هو العائق لك عن الزواج فمني لك كذا وكذا من المال . فجزا الله أبا عبدالرحمن خيراً .
وكان عزيز النفس عفيفاً
وكان أبو عبد الرحمن عفيفاً عنده عزة نفس حتى إن من عزة نفسه أنه كان يتحرج من أن يكتب لأهل الخير بما يخص طلبته فعلم بذلك الشيخ عبد العزيز بن باز فكتب إليه يا أبا عبد الرحمن اكتب وأنت مأجور وإذا أتته الأموال لطلبته العلم مباشرة يحيلها إلى المسؤول عن شؤون الطلاب وكان أبو عبد الرحمن رحمه الله على هذه الخصلة الطيبة من بداية أمره.
فقد حدثنا مرة أنه عندما كان يتعلم في جامع الهادي كان يبقى معه شيء من الخبز فيضعه في فتحة في الجدار يقال لها الخزانة فيأتي يوم من الأيام لا يجد أكلاً فيأتي لها قال فأدخل يدي ورأسي أبحث عنها ثم أخرجها وقد نسج عليها العنكبوت فأميط عنها التراب فأجدها قد يبست فأبلها بالماء ثم إن وجدت حبة من الطماطم فأمر طيب وإلا أكلتها.
وقد عود أبو عبد الرحمن طلبته على هذه الخصلة الطيبة , ودرسهم في كتابه ذم المسألة وكان يذم من يذهب يتسول باسم الدعوة ويحذر منه قال في مقدمة كتابه السالف ذكره : أما بعد فإني لما رأيت أقوماً ممن يزعمون أنهم دعاة إلى الله تخصصوا للتسول وتركوا الاحتراف , فرب زراع يأكل أكلاً حلالاً من كسب يده بل عمله من أفضل القربات فقد روى البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مسلم يغرس غرساًأو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة .
ورب شخص يعمل في التجارة وهي أيضاً من أفضل القربات وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه سئل أي الكسب أطيب قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور .
بل ربما يكون الرجل بدوياً يأكل مما تنتجه غنمه وإبله فيرى المتسولين يفتحون المعارض ويبنون العمائرفيعفو لحيته ويتشبه بالدعاة إلى الله ويحترف التسول أف لها من وضيفة مشينة مزرية...وأخيراً فإني أنصح لأهل السنة أن يصبروا على الفقر فهي الحال التي اختارها الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
قلت : هكذا كان رحمه الله تعالى معلماً وموجهاً ومحذراً لطلبته من أن ينزلقوا هذا المزلق المشين. وبعد هذا فأبو عبد الرحمن لايريد بهذا الكلام أن طلبة العلم يتركون العلم ويذهبون للتجارة كلا وإنما يريد أبو عبد الرحمن أن يوجه أهل السنة إلى أن أكل اليد خير من أن يذهب الإنسان يمد يده وأن عليهم أن يصبروا على الفقر فقد رضيه الله لنبيه فرحم الله أبا عبد الرحمن وأسكنه فسيح جناته .
صـــبره
أما صبر أبي عبد الرحمن رحمه الله فلا أعرف أحداً يماثله في زماننا فقد صبر على أمراض عدة منها مرض الاستسقاء الذي مكث سنوات وهو يعاني منه لكنه يصبر ويحتسب الأجر على الله ومرض الكبد فقد تفتت كبده بسبب مرض السرطان ومع هذا كان صابراً محتسباً والعجيب أنه مع هذه الأمراض كانلا يترك الدروس فقد قال أخونا أحمد الوصابي حفظه الله تعالى أنه دخل مرة على الشيخ وكان مريضاً مرضاً شديداً فأراد أن يخرج يلقي دروسه فقال له أخونا أحمد يا شيخ أنت متعب يقوم بالدروس غيرك فأجابه قائلاً: لا والله لا أترك هذه الوجوه الطيبة .
ورأيته مرة خرج من بيته يلقي الدروس ويده مربوطة إلى عنقه وعليها جبيرة فسألت إخواني
ما الذي حصل للشيخ قالوا سقط في بيته على الأرض وما رأيته ترك الدروس حتى شفي
ومنعه الأطباء مرة من إلقاء الدروس حفاظا على صحته فمكث فترة ثم عاد وفي مرضه الأخير زرته في مدينة صنعاء فكان يستقبل الضيوف ولا يتأفف من أحد ولا يقول دعوني ارتاح وإنما يستقبل الناس ويبتسم وزرته في مكة في فندق لؤلؤة نجد فسألت عنه قالوا سيأتي من الحرم فانتظرت فلما أتى نظرت إليه وأنا مندهش لقد نحل جسمه وبانت عظام وجهه فسلمت عليه أنا وصديقي أبو عبد الله الصومعي حفظه الله فقال وهو يبتسم تفضلوا فقلت له ترتاح فقال تفضلوا فنظرت إلى
أبي حاتم العودي فقال جزاكم الله خيرا فقد اكرمتمونا بفعلكم هذا فالشيخ متعب ولما كان في فندق دار الأزهر فكان الأخوة من طلبة العلم يزورونه فيجلس معهم ولا يتضجر من أحد وإنما يصبر ويتصبر فرحمالله أبا عبد الرحمن واسكنه الفردوس الأعلى .
زهده وكرمه وتواضعه وورعه
وكان أبو عبد الرحمن رحمه الله زاهدا حتى إنه عود الكثير من طلبته على هذه الخصلة الحميدة التي كانت سبباً: لنيلهم العلم فقد كان أبو عبد الرحمن زاهدا في مسكنه وملبسه بل ومأكله واذكر أنني عام 1413هـ قدمت من مكة المكرمة لطلب العلم فلما وصلت إلى دماج سألتهم عن مسجد الشيخ فدلوني عليه فدخلته وكنت أرقب باب المسجد متى يدخل الشيخ وظننت أن الشيخ سيدخل علينا وهو لابس البشت أي أنه مميز عن طلبته فلما دخل أبو عبد الرحمن المسجد ظننته القائم على المسجد لأننا اعتدنا بمكة أن نرى أناسا يقومون بعناية المساجد فلما أخبروني أنه الشيخ. فتعجبت فقد كان ملبسه لا يتميزعن ملبس طلابه بل يفوقه بعض طلابه في ملبسه
ومن زهده رحمه الله إنه لم يبال بحطام الدنيا من مساكن وغيرها فبيته الذي يسكنه أكثره من الطين: هو بيت صغير ودخلت معه مرة إلى غرفته الخاصة فرأيت فرشها فإذا هو من الفرش المخططة المخصصة للمساجد فكان لا يبالي بأمور الدنيا أهم شيء عنده العلم والتقيت بأخينا أبي حاتم العودي بمكة المكرمة فقال لي إنه جاء بعض الناس من فاعلي الخير إلى أبي عبد الرحمن رحمه الله فأرادوا أن يبنوا له بيتا فقال لهم هاتوا المال فأخذ أبو عبد الرحمن منهم المال وبني به مسجداً وبني غرفة صغيرة فوق المسجد ، فلما جاءوا قالوا لأبي عبدالرحمن أين البيت قال لهم هذا هو بيتي واراهم المسجد وأشار لهم إلى الغرفة الصغيرة التي فوق المسجد
ومن زهده في الدنيا أنه أوقف أرضا كبيرة كان يملكها لطلبته كي يبنوا فيها مساكن لهم وفيها الآن قرابة مائتين وخمسين بيتا أو أكثر .
بل إن بعض الشيعة اعترفوا بأبي عبد الرحمن وبعلمه وبدعوته بسبب هذه الخصلة الحميدة فقد كنت يوماً بمدينة صعدة وسمعت شيعياً يسب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فقال له رجل ومقبل أي يريد منه أن يسب الشيخ مقبلاً رحمه الله فقال له أما الشيخ مقبل أشهد لله أنه عالم ولو أراد الدنيا لعمَّر عماير إلى براش .
أما تواضعه رحمه الله فهو تواضع لا يكاد يوجد إلا عند القليل فمن تواضعه لو ناداه طفل وهو يمشي لوقفله يكلمه وينظر ماذا يريد ويأتيه الصغير وهو على كرسيه يلقي درسه فيتوقف عن إلقاءدرسه فيقول له الصغير أريد أن أقرأ حديثاً في مكبر الصوت فيرفعه الشيخ أو يأمر بعض طلبة العلم برفعه فيجلسه أمامه فيقرأ الصغير حديثه والشيخ يبتسم ولا يتضجر وكان مع طلبته هينا لينا .
ومن تواضعه أنه كان إذا جاءه العوام يجلس معهم الوقت الطويل بالرغم من حرصه على الوقت حتى إنه قال لنا في بعض دروسه يأتيني العوام فأجلس معهم وأحتسب على الله لأنهم لا يعرفون قيمة الوقت وسيقولون إنني متكبر أما طلاب العلم أعاملهم خلاف العوام لأنهم يعرفون قيمة الوقت وابن الجوزي رحمه الله كان يجمع ماعنده من الأقلام فإذا جاءه الزائرون يجلس معهم يبرئ الأقلام .
أقول :أما قول أبي عبد الرحمن إنه يعامل طلبة العلم على خلاف العوام فلا يفهم من ذلك إنه لا يجلس معهم وإنما إذا جلس معهم ناقشهم وغربل معلوماتهم وإذا أراد أن يقوم قال ارتاحوا أنا سأذهب كما كان يقول ذلك لنا عندما كنا ندعى من قبله .
ومن تواضعه
أنه كان في أيام الأعياد يخرج مع طلبته إلى الوادي فيشاركهم أفراحهم فيجتمعون حلقة كبيرة ويدخل فيها بعض الطلبة الأندونيسيين يلعبون لعبة الكاراتيه وهو يبتسم ثم يدخل بعض الأمريكيين يلعبون ملاكمة وهكذا فيمكث معهم إلى قرب المغرب ثم يرجع إلى بيته .
أما كرمه
فكما قال الشاعر:
تراه إذا ما جئته متهـــللاً * * * كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفه غير روحه * * * لجاد بها فليتق الله ســـائله
هو البحر من أي النواحي أتيته * * * فلجته المعروف والجود ساحله
فقد كان رحمه الله كريماً يستقبل وفوداً وإذا جاءه زائرون دعاهم إلى بيته للغداء وإذا جاء في وقت متأخر استقبله الطلاب إلى غرفة الضيوف ثم يلتقي بالشيخ ويقدم الغداء بنفسه في كثيرمن الأوقات وكذلك كان يجلس معه بعض الزوار بعد صلاة الفجر فيقدم لهم زبيباً ويكرمهم غاية الإكرام وكان يجود بما يملكه .
وكان إذا جاءه أحد وقت وجبة من الوجبات لاسيما وجبة الغداء دعاه لتناول الغداء وكان كريماً كذلك مع طلبته وسبق الكلام على ذلك في حرصه على طلبة العلم .
وكان ورعاً رحمه الله تعالى فلا يبقى مال الدعوة عنده بل يحيله إلى مسؤول المال .
بل كان ربما يهدى له شيء من شخص لا يعرفه فيترك الانتفاع به ويعطيه من تستحقه من زوجاته كما سيأتي عن زوجته أم شعيب فرحم الله أباعبد الرحمن .
حرصه على الدعوة
كان أبو عبد الرحمن حريصاً على الدعوة إلى الله أيما حرص بالرغم من كثرة مشاغله في التأليف والتدريس وكان يوجه طلبته ويقول لهم لا تقبلوا على العلم وتتركوا الدعوة عليكم بالدعوة إلى الله بما تعلمتم وكان يخرج للدعوة ففي بعض السنوات يخرج ويتنقل في كثير من المدن والقرى اليمنية صعد الجبال ونزل الأودية والسهول وكان يؤذى من قبل أعداءه من الجماعات كالإخوان المسلمين وأصحاب جمعيتي الحكمة والإحسان والعلمانيين والصوفية وغيرهم ولاينقطع عن دعوته إلى الكتاب والسنة وكان يحضر له الجموع الغفيرة حتى إنه في بعض المحاضرات لا تتسع المساجد للجموع التي تحضر فيجعلونها في مصلى العيد فتجده في دعوته يحذر الناس من الشرك والبدع والديموقراطية والانتخابات وأن لا يوالون أعداءالإسلام وأن يتركوا الحزبية التي فرقت شمل الأمة ويناصح المزارعين والمدرسين والمسؤولين والآباء والأمهات والأبناء والأطباء والتجار والصحفيين والعمال بل كان حريصاً على هداية الناس أفراداً وجماعات واذكر أنه جاءه مراسل إذاعة لندن فطلب منه أن يتكلم معه فقال له الشيخ ما رأيك تسلم وأتكلم معك فنصحه الشيخ وطلب منه أن يسلم فأبى فرفض أن يتكلم معه ومكث أياماً يحضر الدروس يريد الكلام مع الشيخ والشيخ يطلب منه أن يسلم كان حريصاً على هدايته ومكث أياماً ثم رحل .
وكان أبو عبد الرحمن إذا انتهى من محاضرته ينتقل إلى بيت أحد الأخوة فيجتمع الناس به يسألونه فيجيب على أسئلتهم فإذا انصرفوا عنه قرأ إن كان لديه نشاط وإلا ينام .
فرحم الله أبا عبدالرحمن وأسكنه الفردوس الأعلى آمين آمين .
حرصه على العلم ومراجعته
وكان أبو عبد الرحمن حريصاً على العلم فقد كان مهتماً بالتدريس أيما اهتمام كانت له دروس عدة فكان يدرس قبل آذان الظهر بساعة كتابه ( الصحيح المسند مماليس في الصحيحين) ولما انتهى منه أخذ يدرس في الجامع الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين وبعد صلاة الظهر يدرس يوماً في تفسير ابن كثير ويوماً يدرس في كتابه (الصحيح المسند من أسباب النزول) فلما انتهى منه جعل مكانه درس (الجامع الصحيح)فصار يوماً يدرس (التفسير) ويوماً يدرس (الجامع الصحيح) وقبل الظهر يكون في بيته يحضر وتحضيره ما يقارب ربع ساعة كما ذكر ذلك في بعض دروسه .
وبعد العصر يدرسنا في (صحيح البخاري) وبعد المغرب يدرس في (صحيح مسلم) وفي كتابه (أحاديث معلة ظاهرها الصحة) ولما انتهى منه درس كتابه (غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل) ولما انتهى منه درس كتابه (ذم المسألة ) إلا انه غاب في تدريسه كثيرا لما بدء مرضه يشتد عليه وكتبه هذه كلها درسها مع (صحيح مسلم ) ولما انتهى من كتاب (ذم المسألة)درس في كتابه (الصحيح المسند من دلائل النبوة ) وكان يجعل يوما له ويوما (لصحيح مسلم ) ومع هذين الكتابين يدرس كتاب (المستدرك ) (وكتابه ) ( الصحيح المسند في القدر ) وتوفي رحمه الله على هذا الترتيب , وواصل الشيخ يحيى بن علي الحجوري بدارالحديث على هذا الترتيب فهذه دروسه الخاصة في دار الحديث وإذا انتقل الى بيته يدرس ابنته أم عبد الله كتاب (قطر الندى) ثم يقرأ نساؤه عليه حديثا"من كتابه دلائل النبوة وكذلك (يدرسهن ) الإملاء وكان يدرس زوجته أم شعيب (المتممة) قبل النوم وسيأتي ذلك عنها فيما بعد إن شاء الله .
وكان رحمه الله إذا تكلم في علم الرجال قلت هو فارس ميدان هذا العلم كان يأتي بفوائد عجيبة وربما جاء في بعض الأسانيد فلان بن فلان فيقول أخشى أن يكون تصحيفاً فيبحث فيوجد أنه مصحَّف كما قال , وأما النحو إذا ناقش طلبته كأنه لا يوجد غيره في معرفة هذا الفن لكثرت الفوائد والفرائد التي يطرحها في دروسه وإذا تكلم في العلل أدهش من حوله وإذا جاءته أسئلة يجيب عليها وكان سريع الاستحضار للأدلة لقد كنا نندهش من قوة ذاكرته يأتي بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسوله فيرصها رصاً ويناسق بينها ويستبنط منها استنباطات عجيبة مع أنه لا يحفظ القرآن كاملاً ومن قرأ في كتابه
( الجامع الصحيح) عرف فقه الرجل من خلال تلك التراجم وكما قيل فقه البخاري في تراجمه .
أما مراجعته فما حضرت له مجلساً إلا وذاكر من حوله من طلبته ولقد كان رحمه الله في دروسه بين مغرب وعشاء ربما نزل من على كرسيه يسألهم عن فوائدهم التي قد أخذوها وإذا وجد شخصاً نائماً يأمره أن يبقى قائماً فإذا ذهب منه النوم قال له اجلس وإذا رأى طالباً غير مهتم بدروسه سأله بسؤال يختبره فيقول له مثلاً: معاذ بن معاذ ما اسمه وما اسم أبيه فبعضهم يجيب بلا أدري فيقول له لعلك كنت مسافراً اهتم يا بني , ويتنقل في حلقته التي لا يقل عددها عن ألفي طالب وفي العطلة يبلغ عددهم ثلاثة آلاف طالب وكان لا يمنعه المرض من مذاكرة العلم ولقد زرته في مرضه الأخير في مستشفى النور بمكة المكرمة فدخلت عليه في غرفته ووجدته على السرير على يمين الداخل وفي يده اليمنى حقن مغروزة في يده وكان يغمى عليه فإذا فاق نظر إلى من حوله وسألهم وكان يكثر السؤال عن حديث: "إن الله إذا أراد قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة ".
فرحم الله أبا عبد الرحمن وأسكنه الفردوس الأعلى آمين آمين .

 


التعديل الأخير تم بواسطة الشاعر أبو رواحة الموري ; 08-21-2009 الساعة 12:17 AM.
رد مع اقتباس