عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 08-30-2009, 12:59 AM
أكرم بن نجيب التونسي أكرم بن نجيب التونسي غير متواجد حالياً
مراقب - وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
المشاركات: 684
أكرم بن نجيب التونسي is on a distinguished road
افتراضي


تفريغ الدرس الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى , وصلاة على النبي المصطفى, محمدٍ وعلى آله المستكملين الشَّرفا, الحائزين الغرفا , وسلم تسليما كثيرا , أما بعد :
تحدثنا في درسٍ سابقٍ حول تلك المقدمات الست التي بدأ بها الشارح محمد محيي الدين عبد الحميد رحمه الله وقد قلت لكم قبلُ أنه ينبغي قبل الشروع في أي علم من العلوم من من معرفة عشرة أمور حوله وقد ذكر الشارح ستة منها، وهي كما يلي :
الأول : تعريفه
والثاني : موضوعه
والثالث : ثمرته
والرابع : نسبته
والخامس : واضعه
والسادس : حكم الشارع فيه.

* و ذكرنا لكم أن تعريف النحو في اللغة يطلق على معانٍ ذكر الشارح منها معنيين أحدهما الجهة تقول ذهبت نحو فلان أي جهته وثانيهما الشِّبْه والمثل فتقول : محمد نحو علي أي شبهه ومثله.


* أما في الاصطلاح فهو العلم بالقواعد التي يُعرف بها أحكام أواخر الكلمات العربية في حال تركيبها من الإعراب و البناء و ما يتْبع ذلك , فهذا يحفظ .


* موضوع علم النحو هو الكلمات العربية فهو يهتم بتدقيق كل كلمة ليعطيها حكمها الذي تقتضيه القاعدة.


* وثمرة علم النحو هو حفظ اللسان عن الخطأ في الكلام العربي و إلى أي علم ينتسب هذا العلم؟ إلى علوم العربية لا إلى غيرها .


* وأما واضعه فالمشهور أنه أبو أسود الدؤلي بأمر من أمير المؤمنين علي وقد ذكرنا خلافا في هذه المسألة في المرة السابقة ، إنما أردت في هذا الموطن الإجمال حتى لا ننسى ما سبق.


* و الأمر السادس : حكم الشارع فيه وأنه فرض من فروض الكفاية و ربما تعين وفصْل الخطاب فيه ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم حين قال: (فإن نفس اللغة العربية من الدين و معرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب و السنة فرض و لا يفهم إلا بفهم اللغة العربية وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فمنها ما هو واجب على الأعيان و منها ما هو واجب على الكفاية .
هذا تقريباً ما أردنا أن نذكِّر به و لكن خطر في بالي مسألة في ذكر المقدمات.

فائدة عن أهمية المقدِّمات
يا إخوة، قبل أن نشرع في شرح المقدمة الآجرومية لابن آجروم والشرح لمحمد محيي الدين عبد الحميد أضيف فائدة هنا :
أن هذه المقدمة من ابن آجروم تعتبر مقدمة في النحو والمقدمات هي ذات الشأن الأعلى لأن أهم ما يشار إليه في كتابٍ ما إنما يكون ذلك في المقدمات , وقد اشتهر في كتب أهل العلم بعض المؤلفات التي كانت على شكل مقدِّمة فكانت محطَّ عناية العلماء بها.
و من ذلك هذه المقدمة، مقدمة النحو لكن اعتنى بها أهل اللغة اعتناء عظيماً ما بين شارحٍ وناظمٍ ومعارضٍ ومتعقِّّبٍ ومتممٍ و مفيد إلى آخر ذلك. مقدمة ابن آجروم هذه في النحو , ومن تلك المقدمات مقدمة ابن الصلاح في علم المصطلح حتى أصبحت موطنَ عناية العلماء كما تقدم شرحاً ومعارضة وبيانا وتعقبا وتتميما إلى آخره، مقدمة ابن الصلاح في المصطلح، اعتنى بها العلماء أيما عناية وهكذا مقدمة الحافظ ابن حجر لفتح الباري التي سماها بهدي الساري فهي مقدمة نفيسة , وقبل هذا مقدمة الإمام مسلم لصحيحه فإنها من أنفس المقدمات رحمه الله تعالى بل فيها قوة وعلم غزير ولهذا اعتنى بها العلماء شرحاً وتعليقًا وبياناً وإيضاحا.
و كذلك من المقدمات التي يذكرونها كتاب ابن قتيبة الدينوري الذي هو أدب الكاتب، يقولون: (إنما كان هذا الكتاب مقدمة في الأدب) فكان مقدمة ، سبحان الله!!
فالمقصد بارك الله فيكم أن هناك من ألف في المقدمات فسارت بها الركبان ومن ذلك ذكرت الآن مقدمة ابن خلدون، تلك المقدمة النفيسة التاريخية، مشهورة جدا، مقدمة ابن خلدون و هي تسمى مقدمة، فإذا علمت هذا علمت أن مقدمة ابن آجروم مقدمة نافعة عظيمة يسلك فيها مسلكَ أهل العلم وأهل هذه الفنون، هذا الذي أردت أن أشير عليه قبل بداية درسنا الثالث , وجزاكم الله خيرا.
بسم الله الرحمن الرحيم

قال المصنف رحمه الله تعالى و هو أبو عبد الله بن محمد بن داوود الصنهاجي المعروف بابن آجروم و المولود في سنة 672 و المتوفى في سنة 723 من الهجرة النبوية رحمه الله تعالى.

قال:
الكَلاَمُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ الْمُفِيدُ بِالْوَضْعِ .

وأقول : لِلَفْظِ " الكلام " معنيَان : أحدهما لُغوي ، والثاني نحويّ
أما الكلام الغوي فهو عبارة عَمَّا تَحْصُلُ بسببه فَائِدَةٌ ، سواءٌ أَكان لفظاً ، أم لم يكن كالخط والكتابة والإشارة [1]
وأما الكلامُ النحويُّ ، فلابُدَّ من أن يجتمع فيه أربعةُ أمور : الأول أن يكون لفظاً ، والثاني أن يكون مركَّباً ، والثالث أن يكون مفيداً ، والرابع أن يكون موضوعاً بالوضع العربي .
ومعني كونه لفظاً : أن يكون صَوْتاً مشتملاً علي بعض الحروف الهجائية التي تبتدئ بالألف وتنتهي بالياء ومثاله " أحمد " و " يكتب " و " سعيد " ؛ فإن كل واحدةٍ من هذه الكلمات الثلاث عند النطق بها تكون صَوْتاَ مشتملاً عَلَي أربعة أحْرُفٍ هجائية : فالإشارة مثلاً لا تسمَّي كلاماً عند النحويين ؛ لعدم كونها صوتاً مشتملاً على بعض الحروف ، وإن كانت تسمي عند اللغويين كلاماً ؛ لحصول الفائدة بها .
ومعني كونه مركباً : أن يكون مؤلَّفاً من كلمتين أو أكْثَرَ ، نحو : " مُحَمَّدٌ مُسَافِرٌ " و" الْعِلْمُ نَافِعٌ " و " يَبْلُغُ الْمُجْتَهِدُ الْمَجْدَ " و " لِكلَّ مُجْتَهِدً نَصِيبٌ " و "الْعِلْمُ خَيْرُ مَا تَسْعَى إِلَيْهْ " فكل عبارة من هذه العبارات تسمي كلاماً ، وكل عبارة منها مؤلفةٌ من كلمتين أو أكْثَرَ ، فالكلمة الواحدة لا تسمَّي كلاماً عند النحاة إلا إذا انْضَمَّ إليها غيرُها : سواءٌ أَكان انضمام غيرها إليها حقيقةً كالأمثلة السابقة ، أم تقديراً ، كما إذا قال لك قائل : مَنْ أَخُوكَ؟ فتقول : مُحَمَّدٌ ، فهذه الكلمة تُعتَبَرُ كلاماً ، لأن التَّقدِير : مُحَمَّدٌ أَخِي : فهي في التقدير عبارة مؤلَّفة من ثلاث كلمات .
ومعني كونه مفيداً : أن يَحْسُنَ سكوتُ المتَكلم عليه ، بحيث لا يبقي السَّامِعُ منتظراً لشيءٍ آخر ، فلو قلت " إِذَا حَضَرَ الأُستَاذ " لا يسمي ذلك كلاماً ، ولو أَنَّه لفظ مركب من ثلاث كلمات ؛ لأن المخاطب ينتظر ما تقوله بعد هذا مِمَّا يَتَرَتَّبُ علي حضور الأستاذ . فإذا قلت : " إذَا حَضَرَ الأُسْتَاذُ أَنْصَتَ التَّلاَمِيذُ " صار كلاماً لحصول الفائدة .
ومعني كونه موضوعاً بالوضع العربيِّ : أن تكون الألفاظ المستعملة في الكلام من الألفاظ التي وَضَعَتْهَا العربُ للدَّلالة علي معني من المعاني : مثلاً " حَضَرَ " كلمة وضعها العربُ لمعنًي ، وهو حصول الحضور في الزمان الماضي ، وكلمة " محمد " قد وضعها العربُ لمعنًي ، وهو ذات الشخص المسمى بهذا الاسم ، فإذا قُلْتَ " حَضَرَ مُحَمَّدٌ " تكون قد استعملت كلمتين كُل منهما مما وَضعه العرب ، بخلاف ما إذا تكلمْتَ بكلام مما وضعه العَجَمُ : كالفرس ، والترك ، والبربر ، والفرنج ، فإنه لا يسمي في عُرف علماءِ العربية كلاماً ، وإن سمَّاهُ أهل اللغة الأخرى كلاماً. انتهى


الشـرح :

بسم الله الرحمن الرحيم

قال المصنف وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن داوود الصنهاجي المعروف بابن آجروم, محمد بن محمد بن داوود الصنهاجي المعروف بابن آجروم , هذا الإمام اللغوي قد ترجمه السيوطي في كتابه ( بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ) كما في المجلد الأول في صفحة 238 و ترجم له أيضا صاحب شذرات الذهب وغيره , وهو ينتسب إلى "صنهاجة" وهي قبيلة بالمغرب من مدينة فاس .


و معنى آجروم هذه الكلمة كلمة بربرية ومعناها : الفقير الصوفي وترى هذا المعنى في الكواكب الدرية تقريباً في الصفحة 25 .


وابن آجروم رحمه الله تعالى هو المولود في سنة 672 وتوفي في سنة 723 , فإذًا هو في زمن متقدم مقارب لعصر الأئمة في ذلك الوقت وقد أتى بهذه المقدمة التي تقدم الحديث عنها أنها مقدمة نفيسة غير أنه سلك فيها مذهب الكوفيين , واعلموا أن أهل النحو – أو أهل اللغة – لهم مذاهب وأعظمهم مذهبا هم البصريون و هم في الغالب كانوا موافقين في ما انتهجوه من المسائل كانوا موافقين فيه التنزيل , والكوفيون يختلفون معهم في مسائل و لكن كان لهم بالكوفة مذهب يشار إليه بالبنان – أردت بالمذهب المدارس النحوية كالمدرسة البصرية والمدرسة الكوفية وهكذا – .


وقال هنا ( الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع ) فبدأ بالحديث عن الكلام, و الكلام في اللغة كل ما أفهَم المراد من أسلوب , أي أسلوب تفهم منه المراد فذلك كلام إلا أن الأصل في هذا عند العرب أنهم يُفهمون بما فيه صوت وعليه فيكون التعريف أن الكلام في اللغة هو الصوت المفهم لمرادٍ ما, صوت مفهم, هذا بالنسبة لكلمة الكلام .

فإذًا الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع, و هذه لتعريف الكلام قيود أربعة :

اللفظ هذا القيد الأول, المركب هذا القيد الثاني, المفيد هذا القيد الثالث, بالوضع هذا القيد الرابع .

وهناك فائدة أن في اللغة أن المعرَّف إذا كان قليل القيود كان ذا اتساع , يعني إذا أردت أن تعرف كلمة ما أو موضوعا ما فإذا لم تقيده بقيود فهو واسع أما إذا كان هذا المعرَّف قد كثُرت قيوده فإنه يقِل تناوله , الآن الكلام قيَّده بأربعة قيود فبهذه الأربعة القيود يكون الكلام فإذا تخلَّف عن هذه الأربعة القيود ولو قيد واحد اتسع تعريف الكلام وقتها .

المهم الكلام هو ( اللفظ المركب المفيد بالوضع ) و نريد في درسنا اليوم أن نتحدث عن كل كلمة من هذه الكلمات الأربع, إيش معناها ؟ قال : ( وأقول للفظ الكلام معنيان ) فقوله ( وأقول ) هذا محمد محيي الدين عبد الحميد الشارح وأما قوله الأول ( الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع ) فهذا هو ابن آجروم هذا الذي يحفظ و لا بد, أما قوله ( و أقول للفظ الكلام معنيان ) فهذا كلام الشارح ( أحدهما لغوي و الثاني نحوي أما الكلام اللُغوي ) بضم اللام كما تقدم معكم أنه من اللغة و اللغة بضم اللام ولا أقول اللَغوي فاللَغوي من اللغو و اللغو هو كثرة الكلام والخوض في الباطل و هذا قد نزه الله جل و علا عنه الجنة فقال { لا تسمع فيها لاغية } وقال { لا يسمعون فيها لغوا و لا تأثيما } فإذًا (و أقول للفظ الكلام معنيان أحدهما لغوي و الثاني نحوي ) .

كلمة نحوي مصدر أريد به اسم المفعول أي المنحو و إنما خص به هذا العلم لغلبته عليه فقيل علم النحو و إلا فالمنحو يعني المقصود و كل علم يقصد, وقال ( أما الكلام اللُغوي فهو عبارة بما تحصل بسببه فائدة ) اللُغويون ليسوا متعنتين في القيود مثل النحويين حتى يستقيم لهم الأمر عند أهل اللغة الأمر فيه اتساع ما هو الكلام عند أهل اللغة ؟

( عبارة بما تحصل بسببه فائدة ) ما حصل به فائدة عندهم فهو كلام سواء كان هذا الكلام لفظاً تلفَّظ به شخص ما أم لم يكن أي لم يكن لفظا و إنما كان خطا مثلا أو كتابة , كتب على السبورة عبارة , أو جملةً فاستفاد هذا القارئ منها فائدةً ما , فهذا يعتبر كلاما وهكذا الإشارة لو أن أحدا قال لك : هل ستأتي الليلة إلى الدرس ؟ فأجبت برأسك من فوق إلى أسفل أن نعم فإذا أشرت فقد أفدت, استفاد منك أنك تقول نعم يعني ستأتي فهذه الإشارة عند اللُغويين تعتبر ماذا ؟ تعتبر كلاما, و هناك من يضيف يقول كالخط و الكتابة و الإشارة و الحال المفهمة تدلك حال المخاطب معك على معنى تفهمه كما ذكر عنترة بن شداد في معلقته قال يخاطب خيله :

(و شكا إليَّ بعبرةٍ و تحمحم ) فيستشهدون بهذا على الحالة المفهِمة وقد فهم من حاله أنه يتظلم عنده و يشكو إليه حاله و يتألم من وضعه (و شكا إلي بعبرةٍ و تحمحم ) .

فالمقصد بارك الله فيكم أن الكلام عند اللُغويين ما يحصل بسببه فائدة تلفظ به أم لم يتلفظ هذا خلاصة الأمر .

فإذ سئلت عن معنى الكلام في اللُغة فهو : ما تحصل بسببه فائدة أما عند أهل النحو فهو ما اجتمع فيه أربعة أمور تقدَّمت في كلام ابن آجروم :

الأول : أن يكون لفظا, لا بد أن يكون لفظا يعني إشارة ما تدخل , الخط أجعل خطا على السبورة أو أكتب شيئا هذا لا يدخل, لا يكون كلاما عند النحويين أبدا .

و سآتي لشرح كل واحدة, أما قوله أن يكون لفظا فهو أن يكون صوتا مشتملا على بعض حروف الهجائية التي تبتدئ بالألف وتنتهي بالياء, الآن عندما تقول : أحمد, الآن أحمد هذا هل هو لفظ الإجابة نعم طيب, كيف عرفنا أنه

لفظ ؟ الإجابة أنه حال الحديث أو التلفظ بهذه الكلمة أحدثت صوتا, طيب و هذا الصوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية, هذه الحروف التي تبتدئ بالألف و تنتهي بالياء استعملت بعض هذه الحروف في كلمة أحمد و هي : الألف و الحاء و الميم و الدال ليس معناه أن جميع الحروف تستعملها في كلمة , لا , لكن المقصد أنك تستعمل بعض هذه الحروف, إذا قلت يكتب طبعا أحمد عندنا اسم يختلف عن يكتب, يكتب هذا فعل لكن أحمد و يكتب كليهما كلام, فالآن كلمة يكتب, يكتب هذا يعتبر من الكلام لماذا ؟ لأنه لفظ طيب كيف عرفت أنه لفظ ؟ لأنه صوت اشتمل على بعض الحروف, ما هي الحروف التي اشتمل عليها الياء و الكاف و التاء و الباء مثلا و هكذا , فإن كل واحدة من هذه الكلمات يعني أحمد و يكتب و سعيد كل واحدة من هذه الكلمات الثلاث عند النطق بها تكون صوتا مشتملا على أربعة أحرف هجائية مثلا .

ثم قال ( فالإشارة مثلا لا تسمى كلاما عند النحويين ) لماذا لا تكون الإشارة كلاما عند النحويين ؟ لأنها ليست صوتا وليست مشتملة على بعض الحروف أشرت برأسك لعدم كونها صوتا مشتملا على بعض الحروف و إن كانت تسمى عند اللُغويين كلاما, طيب لماذا صارت كلاما عند اللُغويين ؟ لأنها حصلت بها الفائدة يعني بهذه الإشارة, إذًا هذا معنى اللفظ, معنى كونه لفظا, قوله ( أن يكون صوتا مشتملا ) هذا في الاصطلاح و إلا فاللفظ في اللغة كلمة لفظ في اللغة معناها : الطرح و النبذ و الإخراج, تقول : لفظت النواة أي : طرحتها ولفظتها وأخرجتها من فمي, فإذًا اللفظ لغة الطرح و اصطلاحا أن يكون صوتا مشتملا على بعض الحروف الهجائية فانتهينا الآن من القيد الأول من قيود الكلام عند النحاة أن يكون لفظا, فعلمنا الآن ما معنى كونه لفظا ؟ ثم لا يكفي هذا, إلى الآن لا يسمى كلاما عند النحويين على الحقيقة لا بد من إضافة شرط آخر أو قيد آخر .
الثاني : أن يكون مركبا

قال ( و معنى كونه مركبا أن يكون مؤلفا من كلمتين أو أكثر ) طبعا ( التركيب ) المراد به التأليف و أن ينضمَّ شيء إلى آخر, أن يكون مؤلفا من كلمتين أو أكثر نحو :

( محمد مسافر ), الآن لو سألتكم : نحو محمد هذه إيش معناها ؟ وقد تقدم معنا أن كلمة نحو لها معان فهنا عندما

أقول : أن يكون مؤلفا من كلمتين أو أكثر نحو : محمد مسافر, نحو :

للنحـــو سبـع معان قد أتت لغة * * * جمعتها ضمن بيـت مفــرد كملا

قصد ومثـل ومقــدار وناحيــة * * * نوع وبعض وحرف فاحفظ المثلا

فالآن قوله : نحو محمد فمن أي تلك السبعة ؟ الإجابة أنها بمعنى المثل و الشبه, محمد نحو كذا أي مثله وشبهه فنحو هنا بمعنى مثل , وهكذا يمر بك في قراءتك لكتب الصحاح و لكتب أهل السنة تجد : و ذكر حديث فلان نحوه أو بنحوه يعني مشابهاً له و مماثلا له, نحو : ( محمد مسافر ) .

و الأصل يا إخوة فائدة أن ما بعد كلمة نحو مضاف إليه تقول ( علي نحو محمد ) فما بعد كلمة "نحو" هنا جاءت مضافا إليه كما تقدم معنا فائدة لما سئلنا عن كلمة ( مع ) في أول درس قلت لكم إن ما بعد الظروف يكون مضافا إليه , هذا كله أنا أرمي به الآن تحتاجونه في الأمام فلا تنسوا هذه القواعد والله لو أن تجعل لك صفحة فقط تجعلها للقواعد التي أذكرها لك, طبعا القواعد هذه ليست على إطلاقها لكن أنا أذكرها من باب تقريب الفائدة ومن باب أن يسهل عليك الأمر , فالأصل أن ما بعد كلمة نحو يكون مضافاً إليه , فإذا كان مضافا إليه يعني مجروراً فلماذا جاء هنا محمدٌ ؟ فأقول : لأن كلمة نحو لم تدخل على "محمد" وحدها و إنما دخلت على الجملة , على جملة محمد مسافر , يعني جملة محمد مسافر هذه كلها في محل جر بالإضافة, افهموا هذا و إن كان سابقاً لأوانه .

فالآن كلمة ( محمد مسافر ) هذه العبارة تكونت من كلمتين و تألفت من كلمتين وتركبت من كلمتين ( محمد مسافر ) .

إذًا قد توفر الشرط الثاني إذا كان الشرط الأول أن يكون صوتا أو لفظا مشتملا على بعض الحروف فالشرط الثاني أن يكون مؤلفا, مركبا و هنا قد حصل التأليف و هو ( محمد مسافر ) هذا في الكلمتين ( و العلم نافع ) كذلك و في أكثر من كلمتين ( يبلغ المجتهد المجد ) هذه بدل ما كانت فعل و فاعل أو كانت مؤلفة من كلمتين صارت مؤلفة من ثلاث كلمات ( يبلغ ) فعل مضارع مرفوع و علامة رفعه الضمة ( المجتهد ) فاعل مرفوع و علامة رفعه الضمة ( المجد ) مفعول به منصوب و علامة نصبه الفتحة, و هكذا أو ( لكل مجتهد نصيب ) فهذه أكثر من كلمتين بل أكثر من ثلاث كلمات و ( العلم خير ما نسعى إليه ) كذلك فكل عبارة من هذه العبارات تسمى كلاما وكل عبارة منها مؤلفة من كلمتين أو أكثر.

إذًا نخلُص إلى أن معنى قوله أن يكون مركَّبا أي مؤلفا من كلمتين أو أكثر، أن هذا الكلام النحوي لا بد أن يكون مركبا من كلمات، ما يأتي متناثراً , كل كلمة وحدها لا ينضم إليها شيء، لا أبدا، إنما لا بد أن ينضم إليها غيرها .
و هذا الانضمام قد يكون حقيقيا وقد يكون تقديريا فالحقيقي مثل هذه الأمثلة التي قدمناها , وأما التقديري مثل أن يقول لك قائل: من أخوك؟ وعُرفت اللغة العربية بالاختصار فأنت بلا شك ما ستقول: أخي محمد، لا , ستقول : "محمد" فقط , فإذا قلت : "محمد" ما دام أن هنالك تقديرا ففي حقيقة الأمر أن استعمالك هذا يعتبر مركبا و ليست كلمة "محمد" كلمةً بمفردها لأنها عُرفت من السياق أنك أردت أن تقول : ( أخي محمد ) فهذه الكلمة تعتبر كلاما لأن التقدير ( محمد أخي ) فهي في التقدير عبارة مؤلفة من ثلاث كلمات , يستغرب المستغرب و له أن يستغرب , كيف ثلاث كلمات ؟ محمد وأخي ؟ كيف ثلاث كلمات ؟ محمد هذا واحد طيب وأخي هذا ثان, أول : لا, لا تستغرب لماذا ؟ لأنه بارك الله فيك سيأتي معنا أن أقسام الكلام ثلاثة اسم و فعل و حرف, عرفت كيف ؟ وأن قوله ( محمد أخي ) هذه العبارة مكونة من ثلاث كلمات وليست من كلمتين فقط ( محمد ) كلمة و( أخ )كلمة و ( الياء ) كلمة أخرى لأنها ضمير عرفت بارك الله فيك هذه ياء النسبة فإذًا هذه ثلاث كلمات, فهذا معنى كونه مركبا.
إذًا هل إلى الآن وقد انتهينا من قيدين من قيود الكلام عند النحويين , هل يعتبر بهذا قد أصبح الكلام كلاما عند النحويين على الحقيقة ؟الإجابة إلى الآن : لا, لا يزال ناقصا حتى يكون مفيداً وحتى يكون مما وضعته العرب, افهموا هذا .

فائدة جانبية في أقسام التركيب

لكن قبل أن أدخل في معنى كونه مفيدا أريد أن أفيدكم إفادة جانبية بارك الله فيكم : أن التركيب في اللغة العربية ينقسم إلى أربعة أقسام – التركيب من حيث هو – الآن هذا تألف من كلمتين ( محمد مسافر ) التركيب ينقسم إلى أربعة أقسام هذه فائدة جانبية خذها على الطريق, أنواع التراكيب أربعة :
الأول : التركيب المزجي يعني الممزوج و هو قسمان :
إما أن يكون مزجيا أي مختوما بويه , أو أن لا يكون مختوما بكلمة ( ويه ) فالمختوم
بـ( ويه ) مثل سيبويه نفطويه مسكويه خالويه عرفتم ؟ هذا يسمى تركيبا مزجيا مختوما بـ( ويه ) و قد لا يكون مختوما بذلك فتقول ( بعلبك ) هذا مركب أيضا لكنه ليس مختوما بـ( ويه ) هذا التركيب الأول, ما هو التركيب الأول ؟ هو التركيب المزجي و هو قسمان .
التركيب الثاني : التركيب الإضافي مثل عبد الرحمن, ( عبد ) أضيفت إلى كلمة
( الرحمن ) عبد الرحمن, عبد الله , عبد الخالق , هذا يسمى تركيبا إضافيا .
الثالث : تركيب العدد مثل أحد عشر و خمسة عشر و سبعة عشر هذه تراكيب عددية.
والرابع : التركيب الإسنادي مثل شاب قرناها هذا وصف على امرأة ما يقال ؛
( جاءتك شاب قرناها ) فكلمة شاب قرناها في الظاهر أنها كلمتان لكنْ ضمُّها إلى بعض هذا يسمى تركيبا إسناديا فهو لفظة واحدة مع بعض مثل كلمة "أحد عشر " فهمتم هذا تركيب يسمى إسنادياً ومثل قولك ( جاء تأبط شرا ) رجل كان مشهورا بالشر فوصفوه بأنه دائما متأبط بالشر يعني دائما يحمله فتقول جاء تأبط شرا، فكلمة ( تأبط شرا ) هذه كلها تسمى تركيبا إيش؟! إسناديا.
فإن قال قائل: ما هو التركيب الذي بين أيدينا ؟، التركيب الذي بين أيدينا هنا عرفت و الله أعلم أنه الأخير، التركيب الإسنادي فإن مسافر و هو الخبر أسند إلى المبتدأ محمد و هكذا العلم نافع و هكذا يبلغ المجتهد المجد، المجتهد هذا الفاعل أسند إلى الفعل إلى آخره فهذا من الإسناد و الانضمام، أن ينضم بعض هذه الكلمات إلى بعض، إذاً معنى كونه مركبا انتهينا منه.
الثالث : معنى كونه مفيدا أن يحسن سكوت المتكلم عليه بحيث لا يبقى السامع منتظر لشيء آخر ، الآن لو قال لك قائل: إذا حضر الأستاذ، و سكت ألا تبقى متعلقا منتظرا لشيء سيأتي بعد هذه العبارة، طيب إذا حضر الأستاذ إيش يحصل؟! تقوم الدنيا ولا تقعد ماذا يحصل؟! لا بد من إجابة ، أنت تنتظر شيئا لا بد منه، فقوله "إذا حضر الأستاذ " لا يسمى كلاما أبداً ، حتى و لو كان لفظا و لو كان مركبا من كلمتين أو ثلاث كلمات , إلى الآن لا يسمى كلاما لأن المخاطب ينتظر ما تقوله بعد ذلك فإذا قال:
( إذا حضر الأستاذ أنصت التلاميذ ) حينها عرفنا الإجابة وعرفنا انضمام هذه الكلمات إلى بعضها كيف أدى معنى مفيدا ، إذن فلا بد أن يكون الكلام مفيدا، أنت إذا قلت : ( إذا حضر الأستاذ أنصت التلاميذ ) أفدتني هذه الفائدة أن هؤلاء التلاميذ لا يزالون مزعجين مؤذين حتى يصل الأستاذ والمدرس فإذا وصل أنصتوا وسكتوا فأظن الأمر هذا واضح و الحمد لله، هذا معنى كونه مفيدا، لا تقل إن جاء زيد وتسكت، طيب إن جاء زيد ماذا يحصل؟! ما استفدت شيئا، فإذا قلت إن جاء زيد جاء بهديتي أو إن جاء زيد التقينا جميعا في بيت فلان، إذن حصلت فائدة بهذه الصورة وهذا هو القيد الثالث وإلى الآن لا يعتبر كلاما حتى ينضم رابع تلك القيود إليه و هو:
الرابع أن يكون موضوعا بالوضع العربي، أن تكون الألفاظ المستعملة في الكلام من الألفاظ التي وضعتها العرب للدلالة على معنى من المعاني، فالعرب جعلوا كلمة "حضر زيد" بمعنى شهد بمعنى جاء وحضر أيضا شهد هذا الحدث بعينه , طيب لو جئت بهذه العبارة العربية الفصيحة كما هي و قلت : "حضر زيد " وأنت تقصد أنه ذهب زيد العكس، قصدت شيئا غير المستعمل عند العرب من حيث المعنى لا اللفظ، اللفظ ما تغير شيء، العرب قالت حضر زيد وأنت قلت حضر زيد لكن أنت قصدت بأنه حضر زيد بمعنى جاء أو شهد و إنما حضر زيد بمعنى ذهب وانصرف , فتكون بهذا بارك الله فيك قد استعملت هذه الكلمة في غير ما وضعتها العرب , وذلك أنه قد يحصل التركيب ويحسن السكوت عليه إلا أن هذا التركيب ليس على الوضع المعروف عند العرب الفصحاء الذين يُحتج بكلامهم , ولذلك فكلام ابن آجروم في قوله " بالوضع " : يفسر بأن التركيب الذي تركب منه الكلام لا بد أن تراعى فيه معاني الألفاظ فتستعمل تلك الألفاظ في معانيها المعروفة التي وضعت لها، فهل فهمتم الآن؟؟
فالآن إذا قلنا حضر بمعنى ذهب نكون قد استعملنا هذه الكلمة في غير ما وضعها العرب و هكذا إذا قلنا في محمد ف (محمد) علم على شخص على ذات يعني علم عليه يُعرف به، فلو استعملتها في شيء آخر في غير ما وُضعتْ له تكون بهذا قد استعملتها استعمالا خاطئا غيرَ صحيح , فإذن الوضع المراد به القصد، المراد به إيش؟ المعنى الذي قصدته العرب دون غيره , قصدت أن جاء بمعنى حضر أو شهد, إذًا معنى ذلك أنك لا تذهب فتأتي بمعنى آخر غير ما وضع له أو أن تأتي بكلمات غير عربية أصلا, من كلام العجم كالفرْس و الترك و البربر إلى آخر ذلك فهذا لا يسمى كلاما عند النحويين .
إذًا فالكلام الذي تتوفر فيه هذه الشروط الأربعة و القيود الأربعة بأن يكون لفظا و أن يكون مركبا و أن يكون مفيدا و أن يكون موضوعا بالوضع العربي
مثل أن أقول لك : ( يبلغ المجتهد المجد ) والتطبيق على ذلك من خلال أربعة أمور
الأمر الأول : أن هذه العبارة هل هي لفظ ؟ الإجابة نعم , كيف عرفنا أنها لفظ ؟ أنها صوت اشتمل على بعض الحروف .
الأمر الثاني : هل هي مؤلفة من كلمتين أو أكثر؟ الإجابة : نعم ( يبلغ ) و ( المجتهد ) و ( المجد ) ثلاث كلمات .
الأمر الثالث : هل تفيدنا ؟ هل استفدنا منها عندما قلنا ( يبلغ المجتهد المجد )؟ الإجابة : نعم استفدنا أن المجتهد يبلغ المجد, هل استفدنا في قولنا ( لكل مجتهد نصيب ) أن هذا المجتهد يحصل له نصيب بحسب اجتهاده من خير أو شر ؟ الإجابة : نعم هذه فائدة. الأمر الرابع : أن يكون موضوعا بالوضع العربي, الآن ( لكل مجتهد نصيب ) هل كلمة مجتهد في مفهومها الصحيح مما وضعته العرب ؟ الإجابة : نعم و هكذا كلمة نصيب و هو الحظ.

فائدة حول عبارة (لكل مجتهد نصيب)

غير أني بعد هذه الأربعة أقف مع هذه العبارة ( لكل مجتهد نصيب ) وأقول : إن هذه العبارة هي العبارة الصحيحة فكل واحد له نصيب من اجتهاده , هذا النصيب يؤجر به أو يأثم و يمدح به أو يذم , لكن العبارة المترددة على الألسن وهي ( كل مجتهد مصيب ) هذه العبارة من العبارات المنتقدة التي لا يسوغ جريانها على الألسنة حتى قال الإسفرائيني
( القول بأن كل مجتهد مصيب أوله سفسطة و آخره زندقة ) كما في سير أعلام النبلاء المجلد السابع عشر صفحة 355 .
المقصد بارك الله فيكم أن هذه العبارة تُجتنب ( كل مجتهد مصيب ) بل من أعظم المخلوقات اجتهادا ؟ إبليس , ولكن هل يقال مصيب في اجتهاده ؟ لا, بل تكفل بإغواء بني آدم بشتى الوسائل, بل يكاد أن يأتي من الجهات الست { لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين } إلا أن الله عز و جل فوق ذلك فلا يستطيع أن يأتي من فوقهم عرفت كيف بارك الله فيك ؟
فالمقصد أن عبارة ( كل مجتهد مصيب ) عبارة خاطئة كما نبه على ذلك أهل العلم .

طيب تقريبا أجملنا ما أردنا أن نتحدث عنه اليوم والحمد لله أن الكلام عند النحاة ما اجتمعت فيه أربعة أمور : أن يكون لفظا والثاني أن يكون مركبا و الثالث أن يكون مفيدا و الرابع أن يكون موضوعا بالوضع العربي يعني مما وضعته العرب لم يضعه غيرهم, يعني كما يقال أصحاب السفسطة من العصريين الآن و بعض الشعراء المتحذلقين إن صح التعبير يرونه من التفنن و التجديد في الشعر فيأتون إلى بعض الكلمات العربية أو إلى بعض الأبيات الشعرية التي استعملت فيها باللغة العربية و يضيفون إليها كلمات أجنبية أو انجليزية ما أدري شاعر سوداني أو كذا فيما أستحضر الآن أنه قال :

ألا يا فاضـــل الأخلاق إني * * * رأيتك عاشقـا للأديوكيشن
‏فـدم في المجد والأخـلاق بحـرا * * * كما قد كنت للآدابِ أوشن

وقد كذب الذي يبغي افتخـارا * * * عليك صناعةً أو كالتفيشن
تلـم بكـلِّ ألسنـة البرايـا * * * وتفهمهـا بـدون ترانسليشن

انظر الآن أتى بهذه الكلمات في الأخير وهي انجليزية و هي في المعنى توافق هذه الأبيات ولكن هل هذه الألفاظ مما استعملها العرب ؟ الإجابة : لا , هذا أردت به المثال فقط , و إلا فإنه لا ينبغي ذكْر مثل هذه الكلمات التي يكون رواجها على ألسنة الفرَغ كما يقال .
طيب نكتفي بهذا القدر وصلى الله و سلم على نبينا محمد وإن كان من تنبيه أو إشارة لشيء فاتنا فلا بأس
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

التعديل الأخير تم بواسطة الشاعر أبو رواحة الموري ; 08-30-2009 الساعة 01:06 AM.
رد مع اقتباس