تفريغ الدرس السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد :
أيها الإخوة الكرام أخذنا في درسنا السابق " علامات الاسم "وقلنا : إن ابن آجروم رحمه الله تعالى ذكر من علامات الاسم أربعاً , فذكر ( الخفض و التنوين ودخول الألف واللام وحروف الخفض ) وقلت لكم : إن هذه الأربع ليست كل علامات الاسم وإنما له علامات كثيرة وقد عدها بعضهم أكثر من ذلك , إنما التركيز على هذه الأربع التي ذكرها المؤلف هنا وهي : ( الخفض و التنوين و دخول الألف واللام وحروف الخفض ) فإن هذه العلامات الأربع تدلك على اسمية كلمةٍ ما من غيرها , ولا أريد أن أكرِّر الكلام ولكن هذا للتذكير .
علامات الفعل
قال : والفِعْلَ يُعْرَفُ بِقَدْ ، وَالسينِ و" سَوْفَ " وَتَاءِ التأْنيثِ السَّاكِنة .
وأقول : يَتَميز الفعْلُ عن أَخَوَيْهِ الاسمِ وَالْحرفِ بأَرْبعِ علاماتٍ ، متي وَجَدْت فيه واحدةً منها ، أو رأيتَ أنه يقبلها عَرَفْتَ أَنَّه فعلٌ :
الأولى : قد والثانية : " السين " والثالثة : " سوف " والرابعة : تاءُ التأْنيث الساكنة .
أما " قد " : فتدخل على نوعين من الفعل ، وهما : الماضي ، والمضارع .
فإذا دخلت على الفعل الماضي دلَّتْ على أحد مَعْنَيَيْن ـ وهما التحقيق والتقريب ـ فمثالُ دلالتها على التحقيق قولُه تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ }وقولُه جل شأْنه: { لَقَدٍ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ } وقولنا : " قَدْ حَضََر مُحَمَّدٌ" وقولنا : " قد سافَرَ خَالِدٌ " ومثالُ دلالتها على التقريب قولُ مُقيم الصلاة : " قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ " وقولك : " قَدْ غَرَبَت الشَّمْسِ" .
وإذا دخلتْ على الفعل المضارع دلَّتْ على أحدِ مَعْنَيَيْن أيضاً ـ وهما التقليل ، والتكثير ـ فأما دلالتها علي التقليل، فنحو ذلك : " قَدْ يَصْدُقُ الكَذُوبُ " و قولك : " قَدْ يَجُودُ الْبَخِيلُ " وقولك : " قَدْ يَنْجَحُ الْبَلِيدُ " . وأما دلالتها على التكثير ؛ فنحو قولك : " قَدْ يَنَالُ الْمُجْتَهِدُ بُغْيَتَه " وقولك : " قَدْ يَفْعَلُ التَّقِىُّ الْخيْرَ " وقول الشاعر :
قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه * * * وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وأما السين وسوف : فيدخلان علي الفعل المضارع وَحْدَهُ ، وهما يدلان علي التنفيس ، ومعناه الاستقبال ، إلاّ أنّ " السين " أقَلُّ استقبالاً من "سوف" . فأما السين فنحو قوله تعالي : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النِّاسِ } ،{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ } وأما "سوف " فنحو قوله تعالي :
{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَي } ، { سَوْفَ نُصْلِيهمْ نارًا } ، { سَوْفَ يَؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ }.
وأما تاءُ التأْنيث الساكنة : فتدخل على الفعل الماضي دون غيره ؛ والغرض منها الدلالة علي أنَّ الاسْمَ الذي أُسند هذا الفعلُ إليه مؤنَّثٌّ ؛ سواءٌ أَكان فاعلاً ، نحو " قَالَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤمِنِينَ " أم كان نائبَ فاعل ، نحو " فُرِشَتْ دَارُْنَا بِالْبُسُطِ " .
والمراد أنها ساكنة في أصل وَضْعها ؛ فلا يضر تحريكها لعارض التخلص من التقاء الساكنين في نحو قوله تعالي : { وقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } ،{ إذْ قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ } ،{ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } .
ومما تقدم يتبين لك أن علامات الفعل التي ذكرها المؤلف علي ثلاثة أقسام : قسم يختص بالدخول على الماضي ، وهو تاءُ التأنيث الساكنة ، و قسم يختص بالدخول على المضارع ، وهو السين وسوف ، وقسم يشترك بينهما، وهو قَدْ .
و قد تركَ علامة الفعل الأمر ، وهي دلالته على الطلبِ مع قبوله ياءَ المخاطبة أو نون التوكيد ، نحو " قُمْ " و "اقْعُدْ" و " اكْتُبْ " و " انْظُرْ" فإن هذه الكلمات الأرْبَعَ دَالةٌ علي طلب حصول القيام والقعود والكتابة والنظر ، مع قبولها ياء المخاطبة في نحو : " قُومِي ، واقْعُدِي " أو مع قبولها نون التوكيد في نحو " اكُتُبَنَّ ، وانْظُرَنَّ إلي مَا يَنْفَعُكَ ".
قال : و الْحَرْفُ مَالاَ يَِِصْلُحُ مَعَهُ دَلِيلُ الاِسْمِ وَلاَ دَلِيلُ الْفِعْل
وأقول : يتميّز الحرف عن أَخَوَيْهِ الاسمِ والفعلٍ بأنه لا يصح دخول علامة من علامات الأسماءِ المتقدِّمة ولا غيرها عليه ، كما لا يصح دخولُ علامة من علامات الأفعال التي سبق بيانُها ولا غيرها عليه ، و مثالُه " مِنْ " و " هَلْ" و" ِلمْ "
هذه الكلمات الثلاث حروفٌ ، لأنها لا تقبل "أَلْ" و لا التنوين ، ولا يجوز دخول حروف الخفض عليها ، فلا يصح أن تقول : المِنْ ، لا أن تقول: منٌ ، ولا أن تقول : إلى مِنْ ، وكذلك بقية الحروف .
وأيضاً لا يصح أن تدخل عليها السينُ ، ولا " سوف " ولا تاءُ التأْنيثِ الساكِنةُ ، ولا "قَدْ" ولا غيرها مما هو علاماتٌ علي أن الكلمة فعل .
الشرح :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
فدرسنا في هذه الليلة المباركة بإذن الله عز وجل حول علامات الفعل ودلائله التي تدل على أن هذه الكلمة فعل وليست اسما ولا حرفا وقد ذكر ابن آجروم رحمه الله تعالى من علامات الفعل أربع علامات فقال ( الفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة ) هذه الأربع العلامات إذا رأيت واحدة منها قد دخلت على الفعل في أوله أو في آخره كان ذلك دليلا ًعلى فعلية تلك الكلمة قال الشارح ( وأقول : يتميز الفعل عن أخويه الاسم والحرف بأربع علامات متى وجدتَ فيه واحدة منها أو رأيت أنه يقبلها عرفتَ أنه فعل :الأولى (قد) و الثانية (السين) و الثالثة (سوف) و الرابعة (تاء التأنيث الساكنة)) .
فتبين لك الآن على أن علامات الفعل فيما ذكر المؤلف أربع علامات, احفظ كما أن للاسم أربع علامات فيما ذكر المؤلف فإن للفعل أيضا أربع علامات فيما ذكر المؤلف , وفي هذا يقول العمريطي :
والفعل معروف بقد والسين * * * وتـاء تأنيث مع التسكين
وتا فعلت مطلقا كجئت لي * * * والنون و اليا في افعلن وافعلي
و قال آخر :
والفعل بالسين و سوف و بقد * * * فاعلم و تا التأنيث ميِّزه وَرَدْ
يعني هذا الأمر ورد ووجد, فإذاً هذه الأربع العلامات و هكذا قال الحريري رحمه الله :
و الفعل ما يدخل قد و السين * * * عليه مثل بـان أو يبين
أو لحقته تاء من يحـدث * * * كقولهم في ليس لست أنفث
أو كان أمراً ذا اشتقاق نحو قل * * * مثاله ادخل وانبسط واشرب وكل
فقد ذكر النحاة هذه العلامات الأربع ونشرع الآن في بيانها وفي إيضاحها .
قال الشارح ( أما (قد) فتدخل على نوعين من الفعل وهما الماضي والمضارع ) معناه أن (قد) ليست مختصةً بفعل من الأفعال الثلاثة المعروفة لدينا لأنه كما تقدم أن أنواع الفعل ثلاثة : "الماضي و المضارع و الأمر " وقد تقدم بيانها ولكن اليوم نريد علامة الفعل سواء كان ماضيا أو مضارعا أو أمرا, فإن كان ماضيا أو مضارعا فإنه يعرف بـ(قد) و حينها فإنك تجد أن لـ(قد) هذه معنى في الماضي غير المعنى في المضارع والعكس .
قال هنا ( فإذا دخلت على الفعل الماضي دلت على أحد معنيين و هما التحقيق و التقريب ) يعني إما أن تفيد التحقيق و إما أن تفيد التقريب ( فمثال دلالتها على التحقيق قوله تعالى { قد أفلح المؤمنون } ) الآن (قد) دخلت على أي فعل من أنواع الفعل الثلاثة ؟ الماضي والمضارع والأمر ؟ في قوله تعالى { قد أفلح المؤمنون } ؟ كلمة (أفلح) الآن هل هي ماض أم هي مضارع أم هي أمر ؟ الإجابة هذا فعل ماضٍ, ما الذي دلنا على أن (أفلح) هذا فعل ماضٍ ؟ أنه سبق بـ(قد) طيب إذًا (قد) هذه علامة لفعلية (أفلح) وأنه أيضا فعل ماض , الأمر الآخر إذا كان (قد) هنا دخلت على (أفلح) فيجب أن تفيد أحد معنيين إما التحقيق و إما التقريب, فهنا في هذه الآية ماذا أفادت ؟ الإجابة أنها أفادت التحقيق لأن المؤمنين قد تحقق فلاحُهم فيما أخبر الله جل وعلا عنهم فقال : { قد أفلح المؤمنون } هذا يفيد التحقيق وكذلك قوله جل شأنه { لقد رضي الله عن المؤمنين } أي تحقق رضا الله على المؤمنين , وأنه قد رضي عنهم سبحانه , و كذلك مما يدل على التحقيق ووقوعِ الأمر قولنا : ( قد حضر محمد ) بشرط أن يكون محمد هذا موجودا وفعلاً حاضراً بين أيدينا , فإذا كان حضر فعلا ومثل أمامنا فإنك ستقول ( قد حضر محمد) حضر الآن فعل ماض و دلَّ على فعليته سبق (قد) عليه و (قد) هنا بمعنى التحقيق إن كان قد مثل أمامنا (محمدٌ) و إن كان تأخر وإنما أردنا تقريب حضوره فهذا شيء آخر يفيد التقريب حينئذٍ , وقولنا : (قد سافر خالد ) كما تقدم الشرط إذا كان فعلاً أن خالدا قد ذهب وركب سيارته و انطلق وليس موجودًا الآن أمامنا يتهيأ (قد سافر خالد) فـ(قد) هنا تفيد إيش ؟ التحقيق .
قال ( ومثال دلالتها على التقريب قول مقيم الصلاة ( قد قامت الصلاة ) ) أما (قد قامت
الصلاة ) فليس ثمة وجه آخر , فإنها لا تفيد هنا إلا التقريب فلا يأتي بمعنى التحقيق لأنه يحتاج أن يتم إقامته للصلاة ثم بعد ذلك يكبر الإمام ثم يدخل في الصلاة , فإذًا أن معنى قوله ( قد قامت الصلاة ) أي قارب قيامها الحقيقي .
( وكذلك قولك ( قد غربت الشمس )) هذا يشترط فيه شرطٌ و هو أن يكون قد غاب قرصُها وظهر الليل واختفى النهار فهنا بهذه الصورة يعتبر تحقيقا , فأما إن كان لم يغب قرصها و لا يزال فيه ومَضات من النهار فمعنى ذلك أن هذا يفيد إيش ؟ التقريب, ففي قوله: ( قد غربت الشمس) تحمل إذا لم يغب قرصُ الشمس هذا يدل على المقاربة, على التقريب , يفيد التقريب , يعني أن معنى (قد) هنا بمعنى التقريب فهو بحسب غياب قرص الشمس من عدمه والمقصد من هذا : دخول (قد) على الفعل الماضي و أنها تفيد حينئذ التحقيق أو التقريب , فأرجو أن يكون هذا واضحا لأننا سنتحدث الآن عن دخول (قد) على الفعل المضارع .
قال ( و إذا دخلت – أي (قد) – على الفعل المضارع دلت على أحد معنيين أيضا و هما :
التقليل و التكثير ) إذًا على الماضي التحقيق أو التقريب وعلى المضارع التقليل أو التكثير, قال
( فأما دلالتها على التقليل فنحو قولك ( قد يصدق الكذوب )) هذا تقليل لماذا قلنا تقليل ؟ لأن الأصل في الكذوب أنه كذوب وأنه يقع منه الكذب , لكن هل الكذوب قد يقع منه الصدق ؟ الإجابة : نعم , ولعلِّي أذكركم بما في الصحيح في قصة أبي هريرة عندما أتى ذلك الرجل يأخذ من بيت المال و يحثه حثوات فيمسك به أبو هريرة رضي الله عنه فيقول له ذلك الرجل : أنا لي عيال و لي كذا و لي كذا فيتعذر ثم يتكره ثلاث ليال و في الليلة الثالثة لا يتركه و قال له والله لأرفعن أمرك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم , فقال: ألا أدلك على شيء إذا فعلته في الليل لم يقربك شيطان حتى تصبح ؟ قال: بلى قال: آية الكرسي فلما رجع إلى اليوم الآخر فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي هريرة ( أتدري من كان معك من ثلاث ليال ؟ قال الله و رسوله أعلم ؟ قال : ذاك شيطان صدقك و هو كذوب )
شاهدنا هذا ( صدقك وهو كذوب ) فمعنى ذلك أن الأصل في الكذاب أنه يكذب ولكن قد يصدق أحيانا فهذا دليل على التقليل (قد يصدق الكذوب) الآن (قد) دخلت على يصدق فدل على أن كلمة يصدق فعل وأن هذا الفعل فعل مضارع وأنه قد سبق ب(قد) التي هي بمعنى التقليل , ومن ذلك أيضا قولك ( قد يجود البخيل ) فالأصل في البخيل أنه بخيل لا يكاد يعطي شيئاً ولكن قد يقع منه الجود مرة أو مرات يسيرة لعوارض و أغراض ربما , فإذًا في حقه يعتبر تقليلا , وقولك أيضا ( قد ينجح البليد ) فالأصل على البليد أنه يحافظ على كرسيه ليبقى نظيفا في العام القادم فلا ينجح, لكن قد يحصل أن يوفق الله عز وجل شخصا بليدا أو أن يقع له من يدفُّه كما يقال فينجح , فقد يقع له النجاح مرة من المرات فإذًا في حقه يعتبر تقليلا ( قد ينجح البليد) هذا يحصل قليلا .
(و أما دلالتها على التكثير – أي دلالة (قد) على التكثير – فنحو قولك : ( قد ينال المجتهد بغيته )) الأصل في المجتهد أنه ينال ما يريد, ينال ما ينصب ويكد و يجتهد من أجله هذا الأصل فيه فلهذا يعتبر هذا في حقه تكثيرا و قولك (قد يفعل التقي الخير ) فالأصل في التقي فعل الخير و مزاولة الخير و إتيانه فهذا في حقه يعتبر تكثيرا ومن ذلك في الحالتين قول الشاعر :
قد يدرك المتأني بعض حاجته * * * و قد يكون مع المستعجل الزلل
فالمتأني في طلب حاجته بروية و هدوء و سكينة و طمأنينة يصل إلى حاجته وهذا يحمل على التكثير لأن هذا هو الغالب في المتأني أنه يصيب حاجته و بالعكس المستعجل يقع منه الزلل لكثرة مخالفاته فيعتبر هذا في حقه تكثيرا .
هذا البيت في الحاشية من سير أعلام النبلاء في المجلد الثالث صفحة ست وثلاثين وخمسمائة وأشار إلى أن قائل هذا البيت عمر بن شييم التغلبي.
المهم أننا أخذنا (قد) و أنها علامة من علامات الفعل و أنها تدخل على الفعل الماضي و المضارع و أنها إذا دخلت على الماضي أفادت أحد معنيين إما أن تكون بمعنى التحقيق أو بمعنى التقريب وأما إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها تفيد أحد معنيين إما أن تكون بمعنى التقليل أو أن تكون بمعنى التكثير انتهى .
(و أما (السين) -وهذا هو الأمر الثاني من علامات الفعل- وأما (السين) و (سوف) فيدخلان على الفعل المضارع وحده ) معناه : أن (قد) ليست مختصة بنوع من الفعل بل هي داخلة على الماضي والمضارع أما (السين) و (سوف) فإنها مختصة بالفعل المضارع, افهم هذا , قال ( وهما يدلان على التنفيس ) التنفيس يعني الدلالة على مهلة زمنية واستقبال في الأمام قال ( و معناه الاستقبال إلا أن السين أقل استقبالاً من سوف) .
و سيمثِّل لهذا فقال ( فأما السين فنحو قوله تعالى { سيقول السفهاء }) فهذا يدل على التنفيس أو المهلة الأقل من سوف { سيقول السفهاء } متى يقولون ذاك ؟ في فترة قريبة و ليست بعيدة ومثل ذلك { سيقول لك المخلفون } الفعل أصلا ما هو ؟ (يقول) الذي سُبق بالسين التي تدل على التنفيس , (و أما سوف فنحو قوله تعالى { ولسوف يعطيك ربك فترضى }) الفعل أصلا (يعطي) وسُبق بسوف لتدل على فعليته و هو هنا فعل مضارع (يعطيك) سوف دخلت على (يعطيك) ولكن هذا العطاء ليس قريباً وإن كان لتحققه يعتبر قريبا و إلا فهو في دار الآخرة ( وكذلك قوله تعالى { و سوف نصليهم نارا }) و تصلية النار تكون في يوم القيامة في نار جهنم , فهذا يدل على التنفيس و المهلة البعيدة وهكذا { سوف يؤتيهم أجورهم } متى ينال الإنسان ثواب عمله؟ و متى ينال أجره ؟ في الآخرة معناه يدل هذا على التنفيس البعيد .
فإذًا خرجنا من هذا إلى أن السين و سوف تدخلان على الفعل المضارع و هي علامة من علامات الفعل من حيث العموم ولكنها تختص بالفعل المضارع وتدلان على التنفيس .
والشارح هنا يقول : إن السين أقل تنفيسا من سوف أي أقل مهلة والحق أن في ذلك
إشكالا أورده :
فقد جاءت بعض النصوص القرآنية وغيرها على أن السين قد تأتي للتنفيس البعيد خلافا لما ذكره هنا ومن ذلك قوله تعالى { سأصليه سقر } فيا تُرى سقر أهي في الدنيا أم هي في الآخرة؟
في الآخرة , وكيف التعبير عنها بالسين ؟ مما يدل على أن السين قد تأتي بمعنى التنفيس البعيد , ولهذا فقد اتفق الكوفيون على أن السين مساوية لسوف , وهذا قول ابن مالك وتبعه على ذلك ابن هشام كما في المغني .
المهم هذه فائدة جانبية , انتهينا الآن من العلامة الثانية والثالثة من علامات الفعل : الأولى (قد) الثانية السين الثالثة سوف.
أما العلامة الرابعة وهي تاء التأنيث الساكنة فهذه مختصة بالفعل الماضي لا تدخل تاء التأنيث الساكنة إلا على الفعل الماضي (فتدخل على الفعل الماضي دون غيره و الغرض منها الدلالة على أن الاسم الذي أُسند هذا الفعل إليه مؤنث سواء أكان فاعلاً نحو قولك ( قالت عائشة أم المؤمنين )) أين الشاهد ؟ (قالت) الشاهد (قالت) فـ(قال) فعل ماض دخل عليه تاء التأنيث الساكنة فدلت على أن كلمة (قال) فعل ماضٍ لدخول التاء عليها وهنا قال ( سواء أكان فاعلا ) أي الذي قال هذا القول هو عائشة وعائشة ماذا تكون ؟ تكون مؤنثاً قال هنا ( و الغرض منها الدلالة على أن الاسم الذي أُسند هذا الفعل إليه مؤنث ) فالآن هذا الاسم أُسند إلى (قال) لكونه فاعلاً يعني عائشة , (أو كان نائب فاعل نحو فُرشت دارُنا لأن (فُرِشَ) مغيَّر الصيغة يعني مبني للمجهول والتاء تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب خذها قاعدة , هي حرف لا محل له من الإعراب بتاتاً و الفائدة العظمى في تاء التأنيث الساكنة هي أن تكون علامة للفعل الماضي , افهم هذا , وأما دارُنا فـ(دار) نائب فاعل وهو مضاف هنا في محل جر بالإضافة و(بالبسط) جار و مجرور إلى آخره , المقصد أن تاء التأنيث هي العلامة الرابعة من علامات الفعل إلا أنها مختصة بالفعل الماضي دون سواه وفي هذا أتذكر قول الشاعر أو الناظم الذي أتى بأفعال ماضية مقرونة بتاء التأنيث الساكنة دلالة على لحاقها بالفعل الماضي قال الناظم :
أشارتْ فحيّتْ ثم قامتْ فودّعتْ * * * فلما تولتْ كادتْ النفسُ تزهقُ
فقد ذكر هنا جملة من الأفعال الماضية المقرونة بتاء التأنيث الساكنة :
"أشارت حيّت قامت ودَّعت تولت كادت" كل هذه أفعال ماضية و اتصلت بها تاء التأنيث دلالة على فعلية هذه الكلمات , وأن هذه الكلمات كلها أفعال ماضية لدخول تاء التأنيث الساكنة عليها.
و يشترط أن تكون- يا إخوة- ساكنة فإن تاء التأنيث الساكنة هي التي تكون علامة من علامات الفعل قال : ( و المراد أنها ساكنة في أصل وضعها ) لما قلنا تاء التأنيث الساكنة معناه أنها ساكنة في أصل وضعها و إلا قد يأتي طارئ يصرفها عن أصلها (فلا يضر تحريكها لعارض التخلص من التقاء الساكنين في نحو قوله تعالي : { وقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } ) الآن أصل الفعل (قالت) أو (قال) دخلت عليها تاء التأنيث الساكنة فهي قالت لكن يا إخوة عندنا فعل (اخرج) الهمزة في (اخرج) همزة وصل و القاعدة أن همزة الوصل تكون ساكنة والتاء تاء التأنيث تكون ساكنة , و العرب لا تنطق بساكنين لا يتأتَّى ذلك , فلا بد أن تكسر تاء التأنيث فقال : { وقالتِ اخرج عليهن }فهمتم كيف الطريقة ؟ { وقالتِ اخرج عليهن } حتى تتسنى القراءة الصحيحة , فإذًا هذا الكسر يعتبر كسرا عارضا تخلُّصيا من التقاء الساكنين فقط .
تنبيه
و أما قوله { إذ قالتِ امرأة فرعون }فهذا خطأ ويؤسفني أن هذا الخطأ تكرر في طبعات الكتاب وأشد من ذلك من كثير من ُشرّاح هذه الرسالة أو هذا الكتاب أنهم يقرؤون هذا المثال على ما هو عليه و هذا خطأ والصواب في الآية { وقالتِ امرأة فرعونَ } أو { إذ قالت امرأة عمران } فإن كانت بكلمة (إذ) فالصواب في فرعون أن تقول عمران { إذ قالت امرأة عمران } فهمتم ؟ و إن كانت بالواو من غير إذ فهي صحيحة كما هي لكن احذف إذ واجعل بعدها الواو { و قالت امرأة فرعون } هذا أمر , والشاهد فيه { إذ قالت امرأة عمران } فالتاء هنا جاءت مكسورة لالتقاء الساكنين كما قال الناظم :
إنْ ساكنان التقيا اكسر ما سبق * * * و إنْ يكن ليِّناً فحذْفه استحقْ
فإذا كانا ساكنين قد التقيا فيُكسر أولهما .
قال الشارح : (ومما تقدم يتبين لك أن علامات الفعل التي ذكرها المؤلف علي ثلاثة أقسام : قسم يختص بالدخول علي الماضي ، وهو تاءُ التأنيث الساكنة– كما رأينا - ، وقسم يختص بالدخول على المضارع ، وهو السين وسوف ، وقسم يشترك بينهما، وهو قَدْ)ما شاء الله ملخص جميل , وذلك أن تاء التأنيث الساكنة خاصة بالماضي , إذا رأيت تاء التأنيث الساكنة معناه الفعل الذي اتصلت به فعل إيش ؟ ماضي , وأن السين وسوف خاصة بالفعل المضارع فإذا رأيت السين وسوف قد دخلت على كلمة فمعناه أن هذا فعل مضارع , و أما (قد) فإنها تدخل على الفعل الماضي والمضارع معًا أو جميعا وكما تقدم في معناها حينئذٍ .
بارك الله فيكم هذا بالنسبة لعلامات الفعل .
قال الشارح (وقد تركَ علامة الفعل الأمر ) فلم يعرِّج عليه المؤلف وأذكر هنا فائدة لماذا لم يذكرِ المؤلفُ علامةَ فعل الأمر ؟
و ذلك أنه جرى على طريقة الكوفيين من أن الفعل قسمان لا غير: ماضٍ و مضارع , و أن الأمر داخل في المضارع لأنه مقتطَع منه, عندهم الفعل الأمر داخل في المضارع لأنه جزء منه قال :( بدليل أنه يبنى على ما يجزم به مضارعه ) و شرح هذا إن شاء الله سيأتي مستقبلا لا أشوِّش بذلك عقولكم كما في " الكواكب " 1/ 37 .
فنعود إلى كلام الشارح هنا قال ( و قد ترك علامة فعل الأمر و هي) انتبهوا معي ما هي علامة فعل الأمر؟ قال ( دلالته على الطلب مع قبوله ياءَ المخاطبة أو نونَ التوكيد ) ولو قال (أو إحدى نوني التوكيد ) كان أقعد و أنسب .
المهم الآن أريد في فعل الأمر قال (نحو قم و اقعد و اكتب) الآن الفعل الأمر معنا هنا (قم) أو (اقعد) أو (اكتب) ما هو الدليل لنا والعلامة التي تدلنا على أن هذا الفعل فعل أمر؟ والإجابة أنه دلنا على الطلب, طلب منا , لما قال لك فلان (قم) معناه أمرك بالقيام , هذا دليل على أنه فعل أمر, لما قال لك (اقعد) كذلك, لما قال لك (اكتب) كذلك أمرك , فمعنى هذا دلالة على طلبٍ ما .
ثم ينضاف إلى ذلك علامة أخرى و هي قبوله ياءَ المخاطبة كما ذكر هنا (قومي و اقعدي) فالآن قومي لما تأمر امرأةً فتقول لها (قومي, اقعدي ) فالأصل في الفعل أنه : قم واقعد فلما قال : قومي وقبِلَ الياء, اقعدي وقبِلَ الياء كما في قوله تعالى { فكلي و اشربي و قرِّي عينا }
كما في قول عنترة :
إن الرجال لهم إليك وسيلةٌ * * * أن يأخذوك تكحَّلي وتخضَّبي
شاهدنا ( تكحَّلي و تخضَّبي ) ففي كل ذلك اتصل فعل الأمر بياء المؤنثة المخاطبة , فإذا قبل ياء المؤنثة المخاطبة معناه أن هذا الفعل فعل أمر .
علامة أخرى أيضا من علامات فعل الأمر : أن يقبل إحدى نوني التوكيد , وعندنا في نون التوكيد أن نون التوكيد قسمان نون توكيد ثقيلة ونون توكيد خفيفة , فإن قبل إحداهما كان فعل أمر أو قد يدل على أنه فعل أمر مثل : اكتُبَّنَ , انْظُرَنَّ إلى ما ينفعك , فالنون في قوله "اكتُبَّنَ" هذه نون التوكيد الثقيلة اتصلت بفعل الأمر و انْظُرَنَّ كذلك و أظن يريد وانظُرَنْ إلى ما ينفعك لأنه حتى يستقيم المعنى لا بد أن يسكن الثانية من أجل أن تشمل النونين .
المهم أن فعل الأمر قد يقبل إيش ؟ نون التوكيد و لكن في حقيقة الأمر أن نون التوكيد ليست مختصة بفعل الأمر و إنما تدخل على الأمر و على المضارع .
و المقصد من هذا بارك الله فيكم أن علامة فعل الأمر التي هي متحقِّقة دلالتها على الطلب مع قبوله ياء المخاطبة فاجعل هذا في رأسك لتصيب الصواب .
بهذا نكون قد انتهينا من علامات الفعل و أنها أربع : (قد) و تدخل على الماضي و المضارع و
(السين وسوف) و تدخلان على المضارع فقط و (تاء التأنيث الساكنة) و تدخل على الفعل الماضي فقط ( وترك علامة فعل الأمر ) وهي الدلالة على الطلب مع قبوله ياء المخاطبة .
ثم نأتي الآن إلى الحرف و به نختم درسنا اليوم قال : (والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم و لا دليل الفعل ) يعني لا يصلح معه علامات الاسم إن نزَّلتها على الحرف, و لا يصلح معه علامات الفعل إن نزلتها على الحرف , فإذًا لا يتميز معك الحرف أبدا إلا بأنه لا يقبل أي علامة من علامات الاسم ولا من علامات الفعل , وفي هذا يقول الحريري :
و الحرف ما ليس له علامة * * * فقس على قولي تكن علاّمة
و أشرتْ لكم من قبل أن كلام العمريطي أقوى و أقعد فانظر ماذا قال :
و الحرف لم يصلح له علامة * * * إلا انتفا قبوله العلامة
كون الحرف لا يقبل علامة فإن ذلك علامة , فهمت الآن ؟ كون الحرف لا يقبل علامة من علامات الاسم ولا من علامات الفعل فذلك دليل وعلامة على حرفية تلك الكلمة .
قال الشارح ( وأقول يتميز الحرف عن أخويه الاسم و الفعل بأنه لا يصح دخول علامة من علامات الأسماء المتقدمة ولا غيرها عليه كما لا يصح دخول علامة من علامات الأفعال التي سبق بيناها عليه ومثاله : مِنْ و هَلْ و لَمْ )
فعندك الآن مِنْ و هَلْ و لَمْ , هذه حروف , ولكن الشارح حقيقة تفنن فيها إذ أنه أحسن الاختيار فقد ذكر ثلاثة أنواع من أنواع الحرف ذكر :
"مِنْ "ويريد أنه مختص بالدخول على الأسماء فإن مِنْ من حروف الجر و يدخل على الأسماء , و"هَلْ "و أنه مشترك فيدخل على الأسماء و على الأفعال كما تقدم معكم من قبل فدخوله على الأسماء مثل قولك : هَلْ محمد قد فرغ من الدرس ؟ ومثال دخوله على الفعل قوله تعالى { هل أتاك حديث الغاشية } أما "لَمْ" فإنه مختص بالفعل وبالفعل المضارع وحده (لَمْ يدخل محمد البيتَ ) فهمتم ؟ فهذه ثلاثة أنواع وكلها حروف مع اختلاف استعمالاتها, وكلها حروف و ليس لها علامة من علامات الاسم والفعل وإنما عدم قبولها لعلامات الاسم وعلامات الفعل يكون ذلك علامة لها .
قال الشارح ( فهذه الكلمات الثلاثة حروف لأنها لا تقبل (أل) ولا التنوين ولا يجوز دخول حرف من حروف الخفض عليها فلا يصح أن تقول (أل من)) الآن مِنْ حرف صح ؟ فإذا أدخلت عليه (أل) التي هي علامة من علامات الاسم و قلت : (أل من) يصلح ؟ هذه اللكنة بعينها و العجمة ( ولا أن تقول مِنٌ )وقد علمنا أن التنوين من علامات الاسم فإذا أدخلت التنوين على الحرف وقلت (مِنٌ) هذا خطأ ( ولا أن تقول : إلى مِنْ فتدخل حرفا على حرف ) لا, أيضا خطأ ( وكذلك بقية الحروف و أيضا لا يصح أن تدخل عليها السين و لا سوف ) ما تقول (سوف مِنْ ) و لا (سوف هل) هذا كلام ركيك ( و لا تاء التأنيث الساكنة ) ما تقول (مِنْت) مثلا ما يصلح ( ولا قد) " قد مِنْ " لا يصلح (و لا غيرها مما هو علامات على أن الكلمة فعل ) .
يعني الخلاصة : أنه ليس هناك علامة وجودية للحرف يعني شيء موجود مشاهد يدل على حرفية تلك الكلمة ليس هناك شيء من ذلك , بل علامته عدمية كونه لا يقبل أي علامة فذلك علامة والسبب : هو ضعف الحرف لذلك يقول سيبويه : ( إن الحرف رابطة تربط بين أجزاء الكلام ) فمعناه أنها ضعيفة وأنها تابعة وأن الحرف لا يستقل بذاته .
يمكن أن نجمل الحرف بإذن الله عز وجل فيما يلي ونقول : إن الحرف ينقسم إلى قسمين : مختص وغير مختص , فغير المختص من الحروف هو الصالح للدخول على الأسماء والأفعال مثل (هَلْ) كما تقدم معنا (هَلْ ) هل المسافر قادم ؟ فدخل على الاسم , المسافر اسم , وتقول هل حضر أو قدم المسافر ؟ فدخل على قَدِمَ يعني على فعل , و أما المختص فنوعان :
الأول : مختص بالأسماء و مختص بالأفعال فالمختص بالأسماء كحروف الجر فلا تدخل إلا على الأسماء بدليل أنها من علامات الاسم فهي لا تدخل على الأفعال و لا على الحروف بل على الأسماء فقط .
و الثاني : مختص بالأفعال فقط كحروف النصب و الجزم مثل : لن و لم , فهذه ستأتي معنا على أنها من نواصب وجوازم الفعل المضارع فيما سيأتي بإذن الله عز و جل مستقبلا هذا بالنسبة لما يتعلق بالحرف .
إذًافعلامات الفعل أربع : قد و السين وسوف وتاء التأنيث الساكنة و أن (قد) تدخل على الفعل الماضي و على المضارع فإذا دخلت على الماضي أفادت أحد معنيين وهما التحقيق و التقريب و إذا دخلت على المضارع أفادت أحد معنيين و هما التقليل والتكثيروأما السين و سوف فتدخلان على الفعل المضارعو أما تاء التأنيث الساكنة فلا تدخل إلا على الفعل الماضي هذا مجمل علامات الفعل ونكتفي بهذا القدر وقد أطلنا ولكن هذا ما استطعنا أن نقدمه بالنسبة لهذا الدرس .
وفق الله الجميع لما يحبه و يرضاه و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه , وجزاكم الله خيرا .