فصل
في كون التوحيد ينقسم إلى نوعين و بيان النوع الأول، وهو توحيد المعرفة والإثبات.
أوَّلُ وَاجِبٍ عَلى الْعَبِيــد ................ مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيـدِ
إذْ هُوَ مِن كُلِّ الأَوَامِر أعْظَمُ ................ وَهُوَ نَوْعَانِ أيَا مَن يَفْهَـمُ
إثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلاَ ................ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى صِفَاتِهِ العُلَى
وَأنَّهُ الرَّبُّ الْجَلِيلُ الأكْبَـرُ ................ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَـوِّرُ
بَاري الْبَرَايَا مُنْشِىءُ الْخَلائِقِ ................ مُبْدِعُهُمْ بِلاَ مِثالٍ سَابِـقِ
الأوَّلُ الْمُبدِي بِـلاَ ابْتِدَاءِ ................ وَالآخِرُ الْبَاقِي بِلاَ انْتِهَـاءِ
الأحَدُ الفَرْدُ الْقَـدِيرُ الأزَليّ ................ الصَّمَدُ الْبَرُّ الْمُهَيْمِنُ العَلِيّ
عُلُوَّ قَهرٍ وَعُلُوَّ الشَّـــانِ ................جَلَّ عَنِ الأضْدَادِ وَالأعْوَانِ
كَذَا لَهُ الْعُلُوُّ والفَوْقِـيَّـهْ ................ عَلَى عِبَادِهِ بِلاَ كَيْفِـيَّـهْ
وَمَعَ ذَا مُطَّلِعٌ إلَيْهِـــمُ ................ بعلْمِهِ مُهَيْمنٌ عَلَيْهِـــمُ
وَذِكرُهُ لِلقُرْبِ وَالْمَعِيَّــةْ ................ لمْ يَنْفِ لِلْعُلُوِّ وَالْفَوْقِيــهْ
فَإِنَّهُ الْعليُّ في دُنُـــوِّهِ ................ وَهُوَ الْقَريِبُ جَلَّ في عُلُوِّهِ
حَيٌّ وَقَيُّومٌ فَلاَ يَنَـــامُ ................ وَجَلَّ أَنْ يُشْبِهُهُ الأنَــامُ
لاَ تَبْلُغُ الأوْهَامُ كُنْهَ ذَاتـِهِ ................ وَلاَ يُكَيِّفُ الْحِجَا صِفَاتِـهِ
باقٍ فَلاَ يَفْنَي وَلاَ يَبِيــدُ ................ وَلاَ يَكُونُ غَيْرَ مَا ُيرِيــدُ
مُنفَرِدٌ بِالْخَلْــقِ وَالإرَادَهْ ................ وَحَاكِمٌ -جَلَّ- بِمَــا أرَادَهْ
فَمَنْ يَشَأْ وَفَّقَهُ بِفَضْلِــهِ ................ وَ مَن يَشَأْ أضَلَّهُ بِعَدْلِــهِ
فَمِنْهُمُ الشَّقِيُّ والسَّعِيــدُ ................ وَذَا مُقَرَّبٌ وَذَا طَريــدُ
لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ قَضَاهَـــَا ................تَسْتَوْجبُ الْحَمْدَ عَلَى اقتِضَاهَا
وهُوَ الَّذِي يَرَى دَبِيبَ الذَرّ ................ في الظُّلُمَاتِ فَوْقَ صُمِّ الصَّخْرِ
وَسَامِعٌ لِلْجَهْرِ وَالإِخفـَاتِ ................ بِسَمْعِهِ الْوَاسِعِ لِلأَصْـوَاتِ
وَعِلْمُهُ بِمَا بَدَا وَمَا خَفِـي ................ أحَاطَ عِلْما بالْجَليِّ وَالْخَفِـي
وَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ سُبْحَانَـهُ ................ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَعَالى شَأنُــهُ
وكُلُّ شَيْءٍ رِزْقُهُ عَليْــهِ ................ وَكُلُّنَا مُفْتَقِرٌ إِلَيْــــهِ
كَلَّمَ مُوسَى عَبْدَهُ تَكْليِمَـا ................ وَلَمْ يَزَلْ بِخَلْقِهِ عَلِيمَــا
كَلاَمُهُ جَلَّ عَنِ الإِحْصَـاءِ ................ وَالحَصْرِ وَالنَّفَادِ وَالْفَنَــاءِ
لَوْ صَارَ أَقلاَماً جَميعُ الشَّجَرِ ................ وَالبَحْرُ تُلقَى فِيهِ سَبْعُ أبْحُرِ
وَالْخَلْقُ تَكتُبْهُ بِكُــلِّ آنِ ................ فَنَتْ وَلَيْسَ القَوْلُ مِنهُ فَانِ
وَالْقَوْلُ في كِتَابِهِ المُفَصَّـلْ ................ بِأنَّهُ كَلامُهُ الْـمُنَــزَّلْ
عَلَى الرَسُولِ المُصْطَفَى خَيْرِ الوَرَى ................ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا بِمُفْتَرَى
يُحْفَظُ بِالقَلْبِ وَبِاللَّسَـانِ ................ يُتْلَى كَمَا يُسْمَـعُ بالآذَانِ
كَذَا بِالأَبْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَــرُ ................ وَبِالأيَادِي خَطُّهُ يُــسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخلُوقَة حَقِيقَـهْ ................ دُونَ كَلامِ بَارِيءِ الْخَلِيقَةْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمنِ ................ عَنْ وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدثَانِ
فَالصوْتُ والأَلْحَانُ صَوتُ الْقَارِي ................ لكنَّمَا الْمَتلُوُّ قَوْلُ الْبَـارِي
مَا قَاَلهُ لاَ يَقبَلُ التَّبْدِيــلاَ ................ كَلاَّ وَلاَ أصْدَقُ مِنهُ قِيـلا
وَقَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَن خَيْرِ المَـلاَ ................ بِأنَّهُ عّزَّ وَجَلَّ وَعَـــلا
في ثُلُثِ اللِّيْلِ الأخِيرِ يَنْـزِلُ ................ يَقُولُ هَلْ مِن تَائِب فَيُقبِِلُ
هَلْ مَنْ مُسِيءٍ طالِبٍ للْمَغْفِرَهْ ................ يَجِدْ كَرِيماً قَابِلاً لِلْمَعْذِرَهْ
يَمُنُّ بِالْخَيْرَاتِ وَالْفَضَائِـلْ ................ وَيَسْتُرُ العَيْبَ ويُعْطِي السَّائِلْ
وَأنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الفَصْــل ................ كَمَا يَشَاءُ لِلْقَضاءِ الْعَـدْلِ
وأنَّهُ يَرَى بِلاَ إنْكَـــارِ ................ في جَنَّةِ الفِرْدَوْسٍ بِالأبصَارِ
كلٌّ يَرَاهُ رُؤيَةَ العِيَـــانِ ................ كَمَا أتَى في مُحْكَمِ القُرآنِ
وَفي حَديـثِ سَيِّدِ الأنَـامِ ................ مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ وَلا إِبْهَـــامِ
رُؤْيَةَ حَقٍّ لَيْسَ يَمْتَرُونَهَـا ................ كَالشَّمْسِ صَحْواً لاَ سَحَابَ دُونَهَا
وَخُصَّ بالرُّؤيَــةِ أوْلِياؤُهُ ................ فَضِيلَةَ وَحُجِبُوا أَعْــدَاؤُهُ
وَكلُّ مَا لَهُ مِنَ الصِّفَـاتِ ................ أثْبَتَهَا في مُحْكَمِ الآيَـاتِ
أوْ صَحَّ فيمَا قَالَهُ الرَّسُـولُ ................ فَحَقُّهُ التَّسلِيمُ وَالقَبُــولُ
نمِرُّهَا صَرِيحَةً كَمَا أتَــتْ ................ مَعَ اعْتِقَادِنَا لمَا لَهُ اقْتَضَتْ
مِنْ غَيْرِ تَحْرِيف وَلاَ تَعْطِيلِ ................ وَ غَيْرِ تَكْيِيف وَلاَ تَمْثيـلِ
بَلْ قَوْلُنَا قَوْل أئمةِ الهـدَى ................ طُوبَى لِمَنْ بهَدْيِهِِمْ قَد اهْتـدَى
وَسَمِّ ذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوحِيد ................ تَوْحِيدَ إثْبَاتٍ بِلا تَرْدِيـدِ
قَدْ أفْصَحَ الوَحيُ المُبين عَنْهُ ................ فَاْلتَمِسِ الْهُدَى الْمُنِيَر منهُ
لاَ تَتَّبِعْ أقوَالَ كلِّ مَـارِدِ ................ غَاوٍ مُضِلٍّ مَارِق مُعانِــدِ
فَلَيْسَ بَعْدَ رَدِّ ذَا التِّبْيَـانِ ................ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنَ الإيمَــان
يتبع إن شاء الله