المأخذ السادس عشر
(16) أنّهم يَرُدُّون مسألةَ الامتحانِ بالأشخاص ، مع أنّها من منهج السلف .
فهذا الإمام أحمد يقول : [ إذا رأيت الرجل يَطعَنُ في حَمّاد بن سلمة فاتَهمه على الإسلام] ا.هـ " السير " ( 7/452) .
وقال الأسود بن سالم : [إذا رأيتَ الرجل يغمز ابنَ المبارك فاتّهمه على الإسلام] اهـ من
" تهذيب التهذيب " و " سير أعلام النبلاء " ترجمة عبد الله بن المبارك .
وقال الدورقي : [ مَن سَمِعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتّهموه على الإسلام ].
قال الشاعر:
أَضْحَى ابنُ حنبل محنةً مؤمونةً * * * وَبِحُبِّ أَحمدَ يُعرف المتنَمسِّك
وَإِذَا رَأَيْتَ لأحمَدَ مُتَنَقِّصًا * * * فَاعلمْ بأنَّ سُتُورَهُ سَتُهتَكُ [1]
وقال سفيان الثوري - رحمه الله -: [ امتحنوا أهل الموصل بالمعافى]؛ أي: ابن عمران الفهمي الموصلي- كما في "تهذيب التهذيب"-. وقال أبو محمّد البربهاري - رحمه الله – في "شرح السُّنّة" مسألة رقم (152): [والْمِحنة في الإسلام بدعة ، وأمّا اليوم فُيمتَحَنُ بالسُّنّة] اهـ .
قلتُ: والذي نفسُ أبي رواحة بيده لقد أصبح العلاّمة مُقبِل بن هادي الوادعي - رحمه الله - والعلاّمة ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله - مِحنةً يُعرَف بهما السلفي مِمّن في قلبه مرض، فمن رأيناه يطعن فيهما اتّهمناه على السُّنّة. لذلك يقول العلاّمة المحدّث محمّد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى- عن الذين ينتقدونهما: [ فهؤلاء الذين ينتقدون الشيخين - الشيخَ ربيع والشيخَ مُقبِل- إمّا جاهلٌ ؛ فيُعلَّم ! وإمّا صاحب هوى ؛ فيُستعاذ بالله من شرّه ، ونطلب من الله - عز وجل- إمّا أن يهديه، وإمّا أن يقصم ظهره ] اهـ .
المأخذ السابع عشر
(17) أنّهم يجعلون الكذب وسيلة من وسائل الدعوة ، ومصلحة من مصالحها.
فيقَلِّبُون الحقائق ، ويبترون المقالات ، ويكذبون الكذبات المشينة ، قال تعالى : )قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ( [يونس : 69] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّاباً ) متّفق عليه ، وهذا لفظ مسلم .
قلتُ : وقد قال شيخُنا العلاّمة مُقبِل بن هادي الوادعي - رحمه الله - : [ أركان الحزبية ثلاثة: الكذب، والتلبيس، والخداع ]، وفي قولٍ: [والمكر] ا هـ .
قلتُ : وكلُّ هذه الأركان رأيناها متمثِّلة في هذا المنهج المنحرف .
(18) أنّهم يحاولون فَصلَ الأمَّة عن العلماء الراسخين ورجالِ السَّنّة الثابتين0، وربطها بالدعاة الحركيَّين ، وأرباب الدنيا الماديِّين .
فكان حالهم كما قال تعالى:)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ( [القصص : 79 ، 80]، وكما قال تعالى:) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ( [الروم : 7] بدعوى أنّه ليس لنا على الدعوة وصاية ، ولا ملّة من الملل ، ولا أب روحي ، ولا قداسة....الخ.
قال العلاّمة صالح الفوزان – حفظه الله – كما في شريطه " فقه التعامل مع العلماء " [ إذا حصل الانفصام بين الأمة وبين علمائها ، وإذا حصل الانفصام بين الشباب وبين علمائها ؛ حصل الشرُّ وتَمكَّن الشيطان من إغواء بني آدم ، أمّا إذا حصل الارتباط بأهل العلم وسؤال أهل العلم فإنّ هذا سبيل النجاة ، وعلامة الخير لهذه الأمّة ] اهـ .
المأخذ التاسع عشر
(19) أنّهم يحاولون معالجة الأخطاء بمثلها .
فلئن كانوا بالأمس يقولون: [ ليس عند أبي الحسن خطأ واحد ، وإنّما هي وجهات نظر] ،
فإنّهم اليوم يقولون: [ قد تراجع أبو الحسن ].
قلتُ: سبحان الله! أيتراجع أبو الحسن عن أخطاء كانت عندكم بالأمس من وجهات النظر وعدم ثبوتِها من المسلَّمات ؟!
قال الشاعر :
وَمَن يُزيل مُنكراً بأَنْكَرَا * * * كَغَاسِل الحَيْضِ بِبَولٍ أَغْبَرا
كما أنّهم يحاولون رقع الخرق بالخرق ، فكيف يحصل الدواء؟!
قال الشاعر :
أَرَاكُنَّ تَرْقِعْنَ الخُرُوقَ بمثلِها * * * وَأَيًُّ لبيبٍ يَرقِعُ الخَرْقَ بِالخَرْقِ
فإنّهم بدلاً من أن يقفوا موقف العلماء في المناصحة لأبي الحسن ، حتّى لا يخسر أهلُ السُّنّة من كان محسوبًا عليهم ، ذهبوا يُكتِّلُون أصحاب المراكز ليخرجوا براءة الذمة ، مستكثرين بهم في مجابةِ العلماء ومناصرةِ أبي الحسن في باطله ، فكم سَعَوا في سدِّ ذلك الخرق مع اتّساعه، وستره مع انتشاره، وهيهات!!
قال الشاعر:
لاَ نَسَبَ اليَوْم ولا خُلَّة * * * اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِع
(20) أنّ لهم طريقًا آخر يسيرون فيه غير طريق العلماء الكبار .
وأنّهم ماضون فيه لا محالة ، ولو كلّفهم ذلك الاستقلالية في الدعوة ، والانحيازية عن طريقة أهل الحديث ، في تعصّب ذميم ، وولاء مقيت ، وهذا من علائم السقوط والخذلان ، وقد قال : صلى الله عليه وسلم (الْبَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ ) ، أخرجه ابن حبّان (2/319 ) والحاكم (1/131)، بإسناد صحيح - كما في" الصحيحة " برقم (1778).
قالالشاعر:
إنَّ الأُمُورَ إذا الأحداثُ دَبَّرَها * * * دُونَ الشُيوخ ترى في سَيْرِهاالخَلَلا .
يتبع بإذن الله
[1] [3] كما في "جلاء العينين " للألوسي ص(214) وانظر تلك الرسالة الماتعة : "وجوب الارتباط بعلماء الأمة " لأخينا الفاضل الشيخ حسن بن قاسم الريمي - حفظه الله – (ص23) .