فضل العلم وتَعَلُّمِهِ وتَعْلِيمِهِ
لقد تكاثرت الأدلة المبينة لفضل العلم وتعلمه وتعليمه، وأوجه فضل العلم في القرآن والسنة كثيرة جداً حيث ذكر ابن القيم -رحمهُ اللهُ- مائة وثلاثة وخمسين وجهاً في كتابه العظيم "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة" وأذكر هنا بعض تلك الأوجه:
1- أن الله -عزَّ وجلَّ- وَصَفَ نفسه بالعلم، وهو عالم الغيب والشهادة، وعلام الغيوب، قال تَعَالَى فِي غير موضعٍ من القرآن الكريم: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ويعلم دقائق الأمور : {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[لقمان:34].وعلم الله ليس كعلم المخلوقين، علم الله -عزَّ وجلَّ- لم يسبقه جهل، ولا تعتريه غفلة، ولا يلحقه نسيان.
2- أن الله -عزَّ وجلَّ- استشهد بالعلماء على أجلِّ وأعظمِ مشهود بِهِ؛ وهو شهادة أن لا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وقَرَن شهادةَ أهل العلم بشهادتِهِ -عزَّ وجلَّ-، وشهادةِ الملائكة: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[آل عمران:18].
3- أن العلماء ورثة الأنبياء، قال النبي -r- : ((العلماء ورثة الأنبياء)) رواه الإمام أحمد والدارمي والترمذي وأبو داود وابن ماجه وابن حبان فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ. انْظُر: صحيح الترغيب(رقم70). فالحرص على بلوغ درجة العلماء هو حرص على تحصيل ميراث الأنبياء –عليهم السلامُ-.
4- أن العلم طريق إلى خشية الله : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28].
5- أنه علامة على الخيرية، قال النبي -r-: ((من يُردِ اللهُ بِهِ خيراً يُفَقِّههُ في الدينِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
6- أن العلم طريق إلى الجنة، قال النبي -r- : ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة))رواه مسلم في صحيحه.
7- أن الملائكة تحفُّ طالبَ العلمِ بأجنحتها رضاً بصنيعه، قال النبي -r-: ((إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضاً حتَّى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب)) رواه الإمام أحمد وابن ماجه مختصراً والطبراني وابن حبان في صحيحه وَالحَاكِم. انْظُر: صحيح الترغيب(رقم71).
8- أن العالِمَ يصَلِّي عليه اللهُ -عزَّ وجلَّ-، وملائكتُهُ، وجميعُ خلقِهِ، حتَّى النملةُ في جحرها، والحيتانُ في الماء، قال النبيr : ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتَّى النملة في جحرها وحتَّى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْرُهُ. انظر: صحيح الترغيب والترهيب(رقم81).
9- أن العلمَ خير ما يُخَلِّفه المرءُ بعد موته، قال النبي -r-: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). متفق عليه.
توجيهاتٌ ترْبَويَّة لِمَنْ يبتغي حضور الدورات العلميَّةِ
للاستفادة من الدورات العلمية، بل ومن هذا البرنامج العلمي؛ على طالب العلم التنبه لهذه الأمور :
1- إخلاص النية لله، والصدق في طلب العلم.
2- تفريغ النفس، وتقليل شواغلها عن هذه الدورات العلمية.
3- انتقاء الدورات بالحرص على الدورات العلمية السلفية وعلى من هو أهل للتدريس والتعليم.
وهنا ينظر للأولى فالأولى حسب المتوفر والمتيسر.
4- الحرص على حضور الدروس من أولها وعدم التغيب أو التأخر.
5- اقتناء الكتب التي تدرس في الدورات للمراجعة والبحث والتعليق والتقييد.
6- الاستعداد للدرس قبل إلقائه من الشيخ بتحضير الدرس والنظر في الأمور المشكلة ليسأل عنها الشيخ بعد الدرس.
7- إذا كانت عنده كتب متوسعة في مجال الدرس كالعقيدة فيرجع إلى الشروح للاطلاع على كلام العلماء قبل شرح الشيخ لتتم الاستفادة.
8- لو وجد من أصحابه من يستطيع مذاكرته والتحضير معه فهذا أمر حسن إذا كانت هذه الصحبة لا تضيع الوقت بالكلام الذي ضرره أكثر من نفعه!
9- النظر إلى وجه الشيخ "استقبال المتحدث"، والانتباه له، والإصغاء لكلامه، مع تهيئة الأسباب لحضور الذهن كقلة السهر، والنوم مبكراً، والبعد عن الشحناء والمشاكسة ونحو ذلك.
10- أن يُقَيِّدَ الفوائدَ والشواردَ، وإذا كان له سجلٌ خاصٌ للمعلوماتِ والفوائد فهو أمر حَسَنٌ.
11- أن يسجل ما يرد عليه من إشكال أثناء كلام الشيخ في سجله أو في ورقة خارجية حتَّى يسأل الشيخ عنها بعد تمام الدرس.
12- أن لا يقاطع الشيخ المتحدث، ولا يتعنت في سؤاله، ولا يسأل سؤال متعنت، ولا يتعالم، ولا يظهر أنه عارف بهذا الدرس وما يحتوي عليه، وأن لا يصحح خطأ الشيخ بأسلوب فظ أو أسلوب غير لائق.
13- أن يحترم الشيخ ويتأدب معه، ويتأدب مع زملائه وأصحابه، وأن لا يجادلهم بغير حق، ولا يكثر من جدالهم حتَّى بالحق، وأن يكون نقاشه مع أصحابه بغية الفائدة والوصول إلى الصواب لا الظهور والانتصار للنفس.
14- أن يراجع الدرس، ويراجع كلام الشيخ وترجيحاته في المسائل المختلف فيها، وينظر في كلام العلماء ليتعود على البحث والنظر والتأمل والتفقه في الدين.
15- أن يداوم على ذكر الله وطاعته، وأن يبتعد عن المعاصي والفتن، وأن يحفظ وقته بما ينفعه، وأن يهذب نفسه ويزكيها، وأن يسأل الله أن يعلمه ما ينفعه، وأن ينفعه بما علمه، وأن يزيده علماً.
16- أن يجتنب أصحاب الهوى والفتنة، وأن يبتعد عن أهل التحزب والانحراف، وألا يشغل نفسه بما لا يعنيه.
وسائلُ تعين طالب العلم على الفهم وعلى بقاء أكبر قدر من المعلومات من ذلك:
1- الابتداء بصغار العلم قبل كباره.
فكثير من الطلاب لا يفهمون كثيرا من العلم ولا يستفيدون من كثير مما يقرؤون بسبب هجومهم على الكتب الكبار التي تحتاج إلى معلومات سابقة ممهدة.
وسبب ذلك –غالباً- استعجال الطلب فيريد الطالب أن يصبح عالماً في شهر!!
فالذي ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بالكتب السهلة الميسرة ثم ينتقل إلى ما هو أصعب وأوسع.
وقد جليت هذا الأمر -نوعاً ما- في هذا البرنامج.
2- انتقاء الكتب الأيسر أسلوباً والأقرب إلى الأفهام يساعد على فهم الكتاب واستيعابه.
3- كثرة القراءة والاطلاع والسماع تساعد على الفهم والاستيعاب.
4- التكرار للكتاب نفسه بقراءة متأنية دقيقة يقف عند كل فائدة وهذا أمر مهم.
وغاية هذه النقطة الحفظ مع الفهم. فحقيقة الحفظ هو التكرار الذي يثبت المعلومة أو المقالة في الذهن.
فيحرص على حفظ مختصرات في العلوم تفيده في استحضار المعلومات، وتحل له كثيراً من الإشكالات.
كحفظ القرآن أو ما تيسر منه، وحفظ الأصول الثلاثة أو نظم سلم الوصول للشيخ حافظ فإنه شامل للأصول الثلاثة وزيادة، ولكن الأصول الثلاثة أيسر وأشهر، وحفظ الأربعين النووية، وحفظ عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي، وحفظ البيقونية في المصطلح أو نخبة الفكر، ونحو ذلك من المتون اليسيرة المساعدة على تثبيت العلم.
5- أن يقرأ ويفهم، فإذا قرأ ولم يفهم يكرر ما قرأ حتَّى يفهم.
لأن عدم الفهم يرجع -أحياناً- للإرهاق أو شرود الذهن أو ملل الذهن ونحو ذلك ليس بالضرورة أن يكون الكلام المسطور عسيراً وصعباً.