المأخذ السادس والعشرون
(26)أنّهم في كتاباتهم وردودهم يجبنون - في الغالب - عن ذكر أسمائهم .
وهذا دليل على أنّ أرضية دعوتهم هشّة ، وأنّ ثقتهم بِما يكتبون في أنفسهم مزعزعة ، بخلاف السلفيِّين فإنّهم يكتبون أسمائهم على طرّة ردودهم ، لثقتهم بِما يكتبون والمنهجِ الذي يحملون ، بل وكثير منهم يعرضون ما كتبوه على أهل العلم فيُسدِّدونَهم ويقدِّمُون لكتاباتهم ، وقديما قيل: (الحقّ أبلج ، والباطل لجلج ).
قال الشاعر:
ألم ترَ أنَّ الحَقَّ تلقاه أَبْلَجَا * * * وَأَنَّك تلقى باطل القَوْلَ لَجْلَجَا .
المأخذ السابع والعشرون
(27) كانوا يظنُّون أنّه بوفاة شيخنا العلاّمة الوادعي - رحمه الله - قد خلت لهم الساحة، حتى قال أبو الحسن: [ قد ذهب زمن الخوف ] اهـ .
قلتُ : ولكن الله حافظ دينه، ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( [الحجر : 9] وإن بني عمِّك فيهم رماح .
قلتُ : وَمَنْ ظَنَّ أنَّ الحقَّ ولَّى بِمُقبِل * * * فَإنَّ لنا في أرضنا ألفَ مُقبِل .
المأخذ الثامن والعشرون
(28) أنّ العزّ والرفعة في الاعتزاز بالسُّنَّة والانضمام إلى أهلها، وأنّ الذلّة والصغار في نبذ السُّنَّة وإعلان النكير على أهلها .
قال تعالى : ) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ( [يونس : 27] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إِنّ اللهَ لَيَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَاماً وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ ) ، [ أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب]،
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( وَجُعِلََتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) [ أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد لله بن عمر].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : [ إنّ الله يرفع العبد بقَدرِ تَمسُّكه بالسُّنّة ] اهـ .
و قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله - : [ صاحب البدعة على وجهه ظلمة ، وإن ادهن كلَّ يوم ثلاثين مرّةٍ ] . اهـ كما في " شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة " برقم (284) للالكائي .
وقال الإمام البربهاري : [ وإذا سَمعتَ الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها ، أو يُنكِر شيئًا من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتّهمه على الإسلام ؛ فإنّه رديء القول والمذهب ] .اهـ من " شرح السنة " مسألة رقم (64) .
قلتُ :وقد أذلَّ اللهُ أبا الحسن بِما أحدثه في الدين من مخالفاتٍ للكتاب والسُّنَّة ومنهج السلف الصالح .
المأخذ التاسع والعشرون
(29) أنّه من الانحطاط والخسارة بمكانٍ أن يدلع أحدُهُم لسانه في السلف وأتباعهم.
فقد رأينا في هذا الصنف من يطعن في الصحابة وبعض التابعين ، وفي العلماء الصادقين الناصحين ، ويعرِّض كثيرًا في انتقاده بطريقة السلفيَّين وفي ذلك مخالفة للكتاب والسُّنَّة حين أثنى اللهُ على العلماء العاملين لذلك فإن الله يقول : ) فلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( [النور : 63] ، وقد قال الإمام البربهاري مسألة رقم (133) :[ وإذا رأيت الرجلَ يطعن على أحد من أصحاب رسول الله فاعلم أنه صاحب قول سوء وهوى ] اهـ .
وجاء في " علوم الحديث " للحاكم - رحمه الله - ، وفي " عقيدة السلف " للصابوني - رحمه الله -
(ص 17) : [ أنّه قيل للإمام أحمد : إنّ ابن أبي قتيلة يقول عن أهل الحديث : إنّهم أهل سوء ، فقام الإمام أحمد ينفض ثوبه ويقول : زنديق زنديق ] اهـ .
قلتُ : ولذلك فإنّ هذا الصنف لا يُوفَّق في الغالب إلى التوبة الصادقة ، وفي الحديث: ( إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ ) أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أنس بإسناد صحيح كما في الصحيحة برقم (1620) .
المأخذ الثلاثون
(30) انشغالهم عن طلب العلم الشرعي وتعليمه بكثرة طَرْقهم أبواب التجّار والمسؤولين لهثاً وراء الدنيا .
قال تعالى
) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ( [النجم : 29 ، 30]
قال شيخنا العلاّمة مقبل بن هادي الوادعي - رحمه الله - في رسالته " ذمّ المسألة " :[ وأقبح من هذا ما يحصل من بعض طلبة العلم يضيِّع وقته ، ويُهِين العلم والدعوة ركضًا من أرض الحرمين إلى الكويت، إلى قطر، إلى أبي ظبي، ما لك يا فلان ؟ فيقول: عليَّ دَينٌ أو : أريد أن أبني مسجدًا وسكنًا للإمام ، وهو نفسه الإمام ، وأريد سيارةً للدعوة ، وأريد أن أتزوّج ، آه آه وإنّ طلب العلم نهايته الشحاذة لا خير فيه :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ صَانُوه صَانَهُم * * * وَلَوْ عَظَّمُوه في النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
ولَكِن أهانُوه فهانَ وَدَنَّسُوا * * * مُحَيَّاهُ بالأطماع حتّى تَجَهَّمَا
قلتُ : أخرج الإمام مسلم في " صحيحه " من حديث عبد الله بن عمرو أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال:(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَرُزِقَ كَفَافًا ، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ) .
وأخرج الإمام أحمد (4/165) عن حبشي بن جنادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ فَكَأَنَّمَا يَأْكُلُ الْـجََمر ) وهو حديث صحيح .
وأخرج الدارمي في " سننه " (1/474) عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْناً فِي وَجْهِهِ).
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : [ من أراد أن يأكل الخبز بالعلم فلتبكِ عليه البواكي ] اهـ .
قلتُ : إنّ من أعظم أسباب الوقوع في الفتنة هو الجهل بالدين .
قال أبو مزاحم الخاقاني كما في " شرف أصحاب الحديث " :
لو أنَّهُم عرفوا الآثار ما انحرفوا * * * عَنْهَا إلى غيرِها لكنَّهُم جَهِلُوا